- إنّي أعنيكِ هلّا استجبتِ؟
هذا الزمن زمن الإنسان الغريب؛ والغريب فيه ليس ذلك الذي اغترب عن وطنٍ أو أهل، ولكنّه الذي اغترب عن نفسه، وتشعّبت ملامحه بين المرآة والعدسة، وبين الاسم الحقيقيّ والاسم المستعار، وبين صورته في الافتراض وصورته في الوعي.. هو إنسانٌ نُزع من موضعه في الوجود، وتحوّل من كائنٍ يعي بنفسه في نفسه إلى كائنٍ يُرى في غيره، ويعيش على صدى ما يُقال عنه..
إنّ هذا الغريب هو ثمرةٌ ناضجة لزمنٍ جديدٍ جعل الشهرة ضربًا من العملة، وجعل الظهور شرطًا للبقاء، وجعل القيمة لا فيما يُقدَّم من فكرٍ أو جهدٍ أو فن، وإنما فيما يُقاس بعدد من يصفّق له أو يهشّ له ويستجاب. وهو زمنٌ لا يُعظِّم الفكرة لعمقها ولا لنفعها ولا لأثرها، وإنما يعظّمها لمقدار ما تُثيره من الجدل واللغط، ولا يُكرِّم الكاتب إلّا لما في كلامه من مادة للرواج.. فصارت الشهرة بذلك وليدة الاستعراض والتسويق.. وكل ما هو للعرض فهو عرضةٌ للتبدّل، ومن هنا بدأ الاغتراب الجديد: اغتراب الإنسان عن نفسه وهو في حال الحضور..
إنّ الغريب في هذا العصر على مسارٍ بين جدارين: جدار الخوارزميات وجدار الجمهور. أمّا الخوارزميات فهي قانونٌ أعمى لا يعرف الأخلاق ولا الجمال، وكل الذي يعرفه هو ما يُبقي العين مُحدقةً بالشاشة في علوق وانجذاب.. وأمّا الجمهور فهو ذاك الكائن المتعدّد الذي لا يُرضى، ولا يُعرَف، ولا يُكلّم، ولكنه على الرغم من ذلك يملك أن يرفع أو يُسقط، وأن يمنح الوجود أو ينزعه. و"صانع المحتوى" في الوسط بينهما كالمتسوّل، ولكنّه ضربٌ من التسوّل جديد، ونوع من المتسوّلين لم يُعرف وهو المتسوّل المترف، الذي يجد ما يسد رمقه ويقيم صُلبه، ولكنّه يؤمن إيمانًا يُقلقه في أنّ لقمة العيش في يده مشروطةٌ بالتصفيق، وأنّ الصمتَ موت، وأنّ الجِدّ عدوّ الرواج..
ولقد تبدّلت صورة الذات في هذا الزمان تبدّلًا لا عهد للبشر به، لأنّ الإنسان لم يعد يفتّش عن نفسه في ضميره، وإنما يفتّش عنها في "صفحته". ولأنّ التقدير الذي كان يُطلب من القريبين صار يُستمدّ من الغريبين، حتى غدت كل نفسٍ خزانةً صغيرة لآراء الناس، يملؤها الثناء حينًا والشتيمة حينًا، ويعيش صاحبها بقدر ما يُفرغ فيها الآخرون من إعجابهم أو سخطهم. فإذا خلا يومٌ من التعليق أحسّ بالعدم والخواء، وإذا امتلأ بالخلاف أحسّ بالوجود..
وهذا الاضطراب في صورة الذات اضطرابٌ في أصل المعنى الإنساني، لأنّ الإنسان الذي يتلقّى قيمته من الخارج لا يملك أن يعرف ما قيمته في الداخل. ومن العجيب أن الإنسان القديم كان يسعى إلى الخلود في الكتب المجوّدة أو في الأبناء المربَيّن أو في العمل المحكم، فكان خلوده ثمرةَ بذلٍ أو فكر، أمّا الإنسان الجديد فيسعى إلى الخلود في "المنشور"، كأنّه يريد أن يقتنص الخلود من اللحظة العابرة، أو أن يحوّل ضوء الشاشة إلى شمس الخلود الطالعة، وما هو إلا برقٌ خُلّب يخطف ويومض ثم ينطفئ.
وإنّ من العسير على هذا الإنسان أن يفرّق بين ما يريده هو وما يُراد منه، لأنّ الخوارزميات تُسيّره وهو يظنّ أنّه حُر، وتُخضعه في الباطن باسم الاختيار، فإذا هو يُقلّد غيره ظانًّا أنه يبتكر، ويُطيع السوق ظانًّا أنه يُعبّر، ويخدم الإعلانات ظانًّا أنه يخدم نفسه.. يعيش مملوكًا في هيئة المالك، ومَصيدًا في هيئة الصائد ويُقاد وهو يظنّ أنه القائد..
وهكذا استحال الحرّ في الفكر إلى عبدٍ في السلوك، واستحال الاستقلال إلى استهلاك، واستحالت الكلمة إلى سلعةٍ تُباع مع الرواج وتُنسى مع الركود..
ثم تزداد هذه الغربة إمعانًا واغترابًا لأنّ هذا الغريب لا يعيش وحده في غربته، بل هو محاطٌ بغرباء مثله، يزدحمون في فضاء واحد ولا يلتقون، ويتجاورون في الشاشات ولا يجتمعون، ويتحدّثون مع العالم كله عن كل ما في العلم ثم هم يعجزون عن الحديث مع أنفسهم عن بعض ما في أنفسهم. فإذا اجتمعوا في "الاتصال" تفرّقوا في المعنى والمقدار، وإذا اتحدوا في الموضوع تباعدوا في الغاية.. وكلٌّ منهم ينتحل حُبّ الجماعة والاجتماع في الظاهر، ولكنهم تسكنهم في بواطنهم العزلة التي لا تُطاق، لأنّهم محكومون بأن يبتسموا وهم حزناء، وأن يضحكوا وهو خائفون، وأن يُجيدوا التمثيل وهم يعلمون أنّ الجمهور لا يبتغي الحقيقة، بل يريد الفرجة..
ولقد كان الإنسان فيما مضى يُعاني من القهر الماديّ أو الفكري، فأصبح اليوم يعاني من قهر الصور، فيُقهر بين صورتين: صورةٍ يجب أن يُحافظ عليها أمام الناس، وصورةٍ أُخرى يحياها في نفسه.
وهذا الإنسان الغريب لا يُدرك في غمرة اللهاث، أنّه يُنفق من عمره في غير عُمره، وأنّه يحث السعي إلى امتلاك ما ينزع منه نفسَه على التدريج، وهو في سعيه القهري لا يملك أن يقف ولا يملك أن يصل..
وهو لا يدري، في غمرة الركض، أنّه يُنفق عمره ليثبت وجودًا لا يعيش فيه. لأنّ الشهرة الرقمية ليست نبعًا يروي، بل هي سرابٌ يسقي من الوهم ظمأً جديدًا كلّ يوم.
إنّها عطشٌ لا يرتوي، ومجدٌ لا يُمسك، ونورٌ لا يهدي، ولكنّه يتلألأ ليذكّر الإنسان أنّه كلّما اقترب من صورته ابتعد عنها..
ومن العجب أن هذا الغريب لا يُريد أن يعود إلى نفسه، لأنه يخاف من لقائها.. فالنفس التي أهملها ردحًا طويلا غدت غريبةً عنه، وربما لو عاد إليها لأنكرت وجهه، ولو ناجاها لما عرفت صوته..
فهو يُؤثر من أجل ذلك أن يظلّ في ضوء الشاشة حيث الضجيج يغطي على الصمت، لأنّ الصمت عنده هو الضجيج المزعج، ولأنّ الصمت ولا غيره هو الذي يُذكّره بنفسه ويُلفته إلى فقدانها.
لقد دخل الإنسان هذا الطور الجديد من الاغتراب وهو يظنّ أنه يتحرر، فإذا به يزيد في القيود والأصفاد. لقد دخل إلى العالم الرقميّ يطلبُ جمهورًا، فإذا بالجمهور يُحاصره، ودخل ليصنع أثرًا، فإذا بالأثر يمحو صانعه، ودخل ليعرّف الناس بنفسه، فإذا بنفسه تُنسى في زحمة التعريفات..
وهكذا ينتهي الإنسان المغترب إلى المفارقة العظمى، وهي أنه في ذروة التواصل أشد انعزالًا، وفي وفرة الكلام أشد صمتًا، وفي تعدّد الأسماء والوجوه أوفر نسيانًا لاسمه الأول ووجهه الأصيل.. هكذا هكذا يكون في غاية الانفصال حين يكون في غاية الاتصال..
· وكيف يُحب، بل كيف يختار!
ثم يجيء الحبّ، وهو الجهةُ التي كانَ يُستدلّ بها على باقي جهات الاختيار والقرار، فإذا به قد أُدخل في فنّ التدبير.
فقد اختلط الحضورُ في ساحات التعليم والعمل وميادين الصورة والافتراض، ففاضت الإمكاناتُ حتى صار التعارفُ بحرًا قريب الشاطئ بعيد القاع، يقف المحبّون على الشواطئ، ولكنّهم يرهبون الغوص ويرهبون السباحة..
ومن كثرةِ الشركاء المحتملين، لا يعود الميلُ ميلًا مجرّدًا، ويظل يصعب إلى أن يصير عملًا من أعمال الاستقصاء يقتضي استبطانًا حثيثًا لما تهواه النفس وما تنفر منه، وجمعًا متيقظًا للقرائن واللمحات، ومقايسةً دقيقةً للخصال والأوصاف، ثم يقتضي إسقاطًا للعاطفة على المستقبل ويقتضي ضمانًا قبل الاقتران، كأنّ القلبَ يُطلبُ منه أن يوقّع على عقدٍ دقيق يُخلي من المسؤولية قبل أن يُخفق لا قبل أن يُجرّب..
غير أنّ الذات لأنّها جوهرٌ تتعاقب عليه الأعراض ويتخلّق مع الزمان فهي لا تُعطي صاحبها اعترافًا نهائيًّا بماهيّةٍ ثابتة؛ فإذا طُلِب منها قرارٌ من معدن الخلود هرعت إلى التحرّز والتوقّي والاعتذار.
وطولُ التفحّص في اختيار المحبوب يُضعف الافتتان؛ فإنّ من شأن المقارنة إذا طالت أن تُحيل القضية إلى قائمة من البنود والمتطلبات، ومن شأن البنود إذا كثرت أن تُذهب من السحر بقدر ما تُكثر من الضبط. وهنا يتولّد ذلك التناقضُ اللطيف الذي يحسن التخفّي، ويُحسن في الوقت نفسه الوخز والتأنيب، إنّه التناقض الذي يكون حاصل رغبةٍ في أن تستبقي اليدُ يدًا وجدت دفأها، مع رغبةٍ مساويةٍ في أن تختبر إمكانًا لم يُجرَّب بعدُ، ويكون حاصل عزمٍ على الاقتران يطلب من صاحبه يقينًا لا يُتاح.. فإذا طال زمنُ النظر، وتعدّدت معاييرُ التقويم، وشاع الخاطرُ القديم الجديد بأنّ الخيار الأفضل ممكنٌ دائمًا، خرج من قلب الوفرة حقٌّ جديد، هو: «حقُّ ألاّ تختار الآن»
إنّه زمنُ الكائن الذي استيقظ في عالمٍ أوسع من وسعه، وأضيق من طمأنينته. فالأبواب مفتوحةٌ على مصاريعها، ولكنّ الداخل إذا فتح بابًا رأى إلى جانبه بابًا آخر لا يقلّ إغراءً ولا يقلّ تحسيرًا، والمدينةُ ملأى بالطرقات، غير أنّ كلّ طريقٍ يفضي إلى مفترقٍ جديد، حتى يستحيل الوصولُ الوشيك ضربًا من التهيّؤ الدائم للوصول.
لقد اتسعت الحرّية، لكنّها اتسعت على نحوٍ يُنشئ الخيارات التي لا تنتهي، فكلّ طريقٍ يُسلك يلازمه ظلّ طريقٍ آخر قد فات، وكلّ «نعم» تُولد معها «لو!» وكلُّ «لا» تُولد معها "لِمَ؟».
كان المرء قديمًا يختار بين قليلٍ مفهوم؛ أمّا اليوم فهو يختار بين كثيرٍ متشابه، فيُحسّ أن كلّ اختيارٍ قرارٌ يوقّع عليه مع ضمان أبدي بالمسؤوليّة.
ومن طبيعة العقل أنه يُحسن المراجعة بعد وقوع الفعل أكثر مما يُحسن التنبؤ قبل وقوعه؛ فبذلك ينقلب التردّدُ قاعدة، ويستجدّ نوعٌ من الشكّ ليس هو الشك الذي يعادي الحقيقة، بل الشك المُبلس الذي يُحجم عن التورّط والتَبعة. هو شكٌّ يحترم الحقيقة، ولكنّه لا يتعجّلها..
إنّها حيرة.. «حيرةٌ منتظمة» تصنعها في أصلها وفرةُ الممكنات لا قلّةُ اليقين، ويغذّيها شعورٌ دقيق بأنّ كلّ بابٍ يُفتح يغلِقُ أبوابًا أخرى.. لقد سُلب هذا الإنسان الرضا والطمأنينة، وحين طلب الفردانية كلّف نفسه من المسؤولية ما لا يُطيق.. وهي مسؤولية حديثة، وهذه المسؤوليّة الحديثة ليس لها سوط فيمسك سوطَها جلّاد، بل لها أوراق ودفاتر ويمسك قلمَها مدقّقٌ لوّام من الضمير يظل يكتب في أوراقه فصولًا بعد فصول، فهنا فصلٌ لما فُعل، وفصلٌ لما لم يُفعل وكان ينبغي أن يُفعل، وثالثٌ لما فُعل وكان يجوز ألاّ يفعل.. هكذا يتخلّق القلق من اتّساع الاختيار، ودقّة الحساب. ولا غرابة في أن يقترن الشكّ بالقرار؛ إذ القرار يطلب من النفس تحقيق المعرفة بما تريد على المدى البعيد، ولكنّ النفس تتبدّل بما يطرأ من ظروف، فتَعِد اليوم بما تُخِلُّ به غدًا وهي لا تقصد الخيانة، ولكنّها استحدثت شيئًا ما في الذوق والغاية..
تعليقات
إرسال تعليق