التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقل بوتين: ألكسندر دوغين

  

 


 

نبيّ الإمبراطورية الروسية الجديدة أو مجنونها، وهو على أيّ الحالين فيلسوف السُلافيين الذي يُنبههم لأمجادهم ويوقظ في حاضرهم حرارة التوق ليكونوا في المستقبل حيث كانوا من الأمم في ماضيهم.. 

وُلد الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين بموسكو  عام (1962)، وله أكثر من ستين كتابًا كان لها تأثير في السياسة الروسية والفكر الروسي الحديث، وهو يوصف في الصحافة الأوربية والأمريكية بـ "عقل بوتين"  وهو أستاذ بجامعة موسكو حصل على شهادتي دكتوراه، واحدة في العلوم السياسية والأخرى في الفلسفة، وهو يتحدث بتسع لغات، وهي -غير الروسية-: الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية والبرتغالية والإيطالية،  وكان قد رأس قسم علم الاجتماع للعلاقات الدولية في كلية الاجتماع بجامعة موسكو الحكومية وهو أستاذ فخري في جامعة طهران وجامعة أوراسيا الوطنية وهو كذلك زعيم الحركة الأوراسية الدولية، وله أثر بليغ في السياسة الروسية في عهد بوتين وقد انتقل إلى تأييد حكومته بعد أن كان معارضًا ثائرًا على الحكومات التي سبقته، وقد انتبه الغربيّون لأثره واشتد انتباههم لخطره حين احتلّت روسيا شبه جزيرة القرم، وقد كان دوغين من الداعين لضمّها إلى الأراضي الروسية ومن الشارطين لعلوّ روسيا: تغيير الأوضاع في أكرانيا أو تدميرها. 

 

ونحنُ فيه هذه الإلمامة نعرض طرفًا من فكر الرجل مما قرأناه من كتبه المنقولة إلى العربية -وهي قليلة- ومن بعض كتبه المنقولة للإنجليزيّة، ولم يُعوزنا أن نترجم بعض النصوص من الروسية إذا اقتضى الأمر، ونعرضه كذلك من بعض ما كُتب عن الرجل وقد شغل الباحثين الغربيين بفكره، ونعرضه كذلك مما نستنتجه من مقابلاته المتلفزة وهي كثيرة، فهو معلّق من المعلقين على وقائع السياسة كلما استجدّ فيها جديد، وليست تخلو من جديد.. 

 

نحسب أنّا نُلخّص فكر ألكسندر دوغين، حين نقول إنّه محاولةٌ لإعارة الجغرافية لسانًا ينطق بالسياسة والتاريخ معًا؛ فلا تكون الخريطةُ ورقًا صامتًا من خطوطٍ وألوان، إذ هي معنىً يوجّه القوى ويهدي المصائر. 

يرى دوغين أنّ الجغرافية السياسية (=الجيوبوليتِك) رؤية كونية تُفسّر التاريخ والسياسة من منظور العلاقة بين الفضاء والسلطة. وكما تضع الماركسيةُ: الاقتصادَ في مركز التاريخ، فإن الجغرافية السياسية تضع المكان في مركز المصير البشري. فـ“الجغرافية قدر”، كما يقول دوغين، وهي التي تحدّد طبائع الدول والحضارات وتُحدد مصائرها وممكناتها..  

والإنسان في نظره كائن مكاني لا يُفهم خارج حدود أرضه وثقافته، والدول كائنات عضوية حيّة تنمو وتموت بحسب قوانين الفضاء والتوسّع.. 

 

يضع دوغين روسيا في مركز “الكتلة البرّية الأوراسية”، ويرى أنها قلب التاريخ الجغرافي للعالم. ويرى أنّ بقاء روسيا لا يمكن أن يتحقق إلا بعودتها إلى دورها الإمبراطوري القاري، أي أن روسيا ليست “دولة قومية” بل “حضارة قارية كبرى” فروسيا عنده لا تُفهم بلا إمبراطورية، لأن جوهرها الرسالة لا السيادة، والحراسة لا الحكم، ووجودها مرهون بتوسّعها وتوحيدها للمجال الأوراسي الكبير. 

فليست روسيا عند دوغين دولةً في شمال الخريطة من جُملة الدول، فهي محور الوجود البشري، وقلبُ الأرض الذي إن خفق توقّف التاريخ؛ فمن سهوبها تبدأ خطوط القدر، وإليها تعود.. 

 

ومن هنا خرجت «الأوراسية الجديدة» 

وهي عنده مذهبٌ يراد له أن يجمع فلسفةَ القوة إلى سياسة الدولة، وأن يردّ على العولمة الجارية بعولمةٍ أخرى تُنسَب إلى «البرّ» كما تُنسب الأولى إلى «البحر».

إنّ هذا المذهب، كما صاغه صاحبه ومناصروه، يقوم على أصلٍ يظنّه قانونًا أقدم من كل قانون: وهو أنّ التاريخ الطويل للبشرية يموج، بين التيلوروقراطية والثلاسوقراطية؛ بين قوّة البر وقوّة البحر، وليس البرّ هنا تربةً ولا البحر ماءً، ولكنّهما نمطان من العمران، أولهما نمطٌ يحيا بالثبات والاتّصال والتماسك والتقليد وروح الجماعة، وثانيهما نمطٌ تكون حياته بالحركة والانفصال والتجارة والليبرالية وروح الفرد. 

وعلى هذا التفسير، كان الغرب الحديث هو «البحر» وقد بلغ تمام عدّته، وكانت روسيا وما يتّصل بها من فضاءٍ أوراسيّ هي «البرّ» الذي يستبقي من روح الممالك القديمة معنى الجماعة والتماسك. 

فروسيا هي روح اليابسة، كما أن أمريكا هي شيطان الموج.

تلك تؤمن بالتقليد والإيمان والهوية، وهذه تعبُد السوق والعقل والعُملة.

والحرب بينهما ليست حربَ مدافعٍ وصواريخ، بل حربُ فلسفتين: إحداهما تقول: “الإنسان كائنٌ في جماعة”، والأخرى تقول: “الإنسان فردٌ في زحام”

 

على هذا التموّج يقرأ دوغين تناقض المصالح بين قطبين كبيرين، ويجعله تناقضًا يقوم على السياسة الكامنة في الجغرافية (=الجيوبوليتِك) وهو تناقض لم تزل تتكرّر صورُه وإن تغيّرت ظروفه وأسماؤه.. 

 

ومن هذا الأصل تخرج قراءته للعولمة. فالعولمة في نظره ليست مصيرًا محايدًا ولا تقدّمًا بريئًا بلا علّة ولا سبب، ولكنّها آلة البحر تسعى -وقد اتّخذت لقب «الأطلسية»- إلى توحيد العالم تحت سلطانٍ واحد في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام على نموذجٍ ليبراليٍ ديمقراطيٍ في الشعار، أمريكيٍ في السُلطة والسيادة. 

فإذا انخرطت الدول في هذا المسار انسلكت في نظامٍ واحد وفقدت من سيادتها بقدر ما كسبت من اتصالها بهذا النظام.. وإذا ناوأته أدنى المناوءة اتُهمت بأصناف الشرور وسُلِّطت عليها أدواتُ الحصار والمقاطعة. 

ذلك ما يسمّيه دوغين «العولمة الأحادية»، ويراه العدوَّ النظريَّ والعمليَّ لما يدعو إليه من «أوراسيةٍ جديدة».

والحل عنده هو في بناء نموذجٍ مقابِل للعولمة يُسمّيه «التعدديّة القطبية» وهي عالمٌ يشتمل على أقطابٍ كبرى من الحضارة.  لكلِّ قطبٍ لسانُه ومصلحتُه ونظامُه، لتتحاور هذا الأقطاب فيما بينها دون أن تذوب في بعضها، ولتتجاور دون أن تستنسخ بعضها بعضًا.. 

هنا -كما يزعم- يكون لروسيا موضعٌ طبيعي بين هذه الأقطاب؛ لأنّ روسيا -في اصطلاح الجغرافية السياسية القديمة- تقبض على معظم «قلب الأرض»، وهو حيّز إن بقي مستقلًّا عن العولمة ظلّ للبرّ مكانٌ يسترجع فيه توازنه ويستفيق فيه من ترنّحه، ويُعدّ فيه عُدّته ليردّ على تمدّد البحر. 

وإلى هذا القطب تُدعى شعوبٌ ودولٌ أبت الذوبان فأظهرت مناعةً حضاريةً أو سياسيّةً أو ثقافيّة، ولها عند دوغين منزلةُ «حلفِ البرّ» وإن اختلفت مذاهبها.. 

 

ولا يكتفي بناء دوغين بالتقرير؛ فثمّة توجيهٌ يُنادي فيه بانعقاد الأحلاف مع الأمم المتاخمة للحيّز الروسيّ، وهي أحلاف يُريدها أن تتوثّق على قاعدةٍ صريحة شعارها: «عدوّ عدوي صديقي». وينضوي تحت لوائها كلُّ ما يجمع الصين والهند والبلدان الإسلامية وبعض الدول الأوروبية غير الأطلسية في تعاونٍ يقوم على الأمن والاقتصاد والمعرفة، لينشأ بذلك «نادٍ» دوليٌّ تتعادل به الموازين، وتُحاصر به العولمة. 

 

ويخطو دوغين خطوةً ينهد بها إلى تفكيك «الجيوبوليتيك النقدي» الذي أعلن بعضُ أصحابه انتهاء صراع البرّ والبحر، وانتهاء تقسيم الحضارة إلى بريّة وبحرية بدعوتهم إلى العولمة وإلى الامتزاج في حضارة إنسانيّة جامعة؛ فدوغين يرى أنّ هذه الدعاوى ترتدي ثيابًا ناعمة على جسدٍ من السياسة الخشنة لتُخفي تحت أثوابها: الجوهر الحقيقي للصراع ولتنزع بذلك أدوات المقاومة من أيدي أهل البرّ؛ لأنّ من سلّم بانتفاء جدوى التمييز القديم، سهُل عليه أن يسلّم بعدُ بكون العولمة قدرًا لا يُدافَع.. 

وهنا يظهر ملمحٌ من أسلوبه: إذ هو أسلوبٌ يتمثّل في جدلٍ يضمّ الفلسفة إلى الرؤية البعيدة (=الاستراتيجية)، ويعطي المفهوم نصيبَه من الشرح ليستنزلُه على خرائط التحالف وحدود السلاح.. 

 

*** 

وحين ينظر دوغين للتاريخ القريب، نجده قد صوّر القرن العشرين في مشهدٍ تصطرع فيه العقائد الثلاث الكبرى: الليبرالية والشيوعية والفاشية؛ وهي ثلاثُ نظرياتٍ سياسية تناحرت حتى انتهت الغلبةُ لليبرالية، ثم أخذ العالمُ يخرج من طور الحداثة إلى ما بعدها، فقصّرت تلك الصيغ كلِّها عن تفسير الواقع الجديد وعن حلّ مشاكله والاستجابة لانفعالاته. ومن هذه النظرة ينشأ عند دوغين موجبُ «النظرية السياسية الرابعة» التي تدعو إليها حاجةٌ إلى فكرٍ سياسيٍّ جديد لا يكرِّر القديم ولا يسايره. 

فالليبرالية، بعد أن انتصرت ضعفت عن تلبية مطالب الواقع وتحولت من نظريةٍ تُختار إلى قدرٍ يُفرَض، فحلَّ الاقتصادُ محلَّ السياسة، وامتدّت السوق العالمية لتذيب الدول في بوتقة العولمة، وارتفع شعار «حقوق الإنسان» المجرّد ليشغل موضع القرار السياسي، ومع هذا التحوّل أخذت الافتراضية تطرد الحقيقة عن الواقع، وبذلك نكون قد دخلنا كما يزعم دوغين في طور «ما بعد الليبرالية» و«ما بعد السياسة». 

والنظريةُ الرابعة عنده لا تأخذ نمط عقيدةٍ مُكتملة الأركان، فهي دعوةٌ مفتوحة تُحدَّد بما تنفيه لا بما تُثبته، وتقوم أول ما تقوم على اجتماع المؤمنين بالأفكار المناوئة لليبرالية في القرن الماضي بعد تجريد الأفكار المناوئة من شوائبها الماديّة والإلحاديّة، ثم تقوم على عودةٍ إلى ما قبل الحداثة، كأفكار الدولة المثلى عند أفلاطون، والمجتمع الهرمي الوسيط، ورؤى الشرائع الكبرى لتُصاغ بذلك مبادئ ثلاثة جامعة، هي: العدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية، والقيم الموروثة. 

ولهذا يدعو المشروعُ إلى جبهةٍ واسعة تجمع اليسارَ الثائر، واليمينَ الجديد، وأحزاب البيئة، وأتباع الأديانَ_ في مقاومة العالم الواحد الليبرالي، على قاعدةٍ عمليةٍ تُقصي نوازع العداواتِ الثانوية بين الخصوم، ليُعاد بناء السياسة حول الإنسان في وجوده لا حول الفرد المجرد، وحول القيم الحيّة لا حول مؤشرات السوق، وحول الدوائر الحضارية لا حول مركزٍ واحد.. 

ونواة هذه الجبهة هي ما قدمناه من بسط "الفكرة الأوراسية" التي يرى فيها أنّها مُنقذ العالم من فوضاه..

 

***

هذه هي دعوى دوغين في أحكم ألفاظها. أمّا حدودها ومزالقها فلا تخفى على نظرةٍ تبتغي الإنصاف. فالأوراسية الجديدة طموحٌ يطلب من روسيا أن تستعيد عِماد الإمبراطورية في زمنٍ ضعف فيه الوازع واشتدّت فيه حاجة الاقتصاد إلى الانفتاح، وناءت فيه الدولة بمطالب الداخل وأثقال الخارج. 

وهي دعوى تراهن على روحٍ مشتركة بين حضاراتٍ متباعدة الطباع والمصالح، تحتاج من الوقت ما لا تختصره المؤتمراتُ ومن التغيير ما لا تختزله القرارات.

وهذه الاعتراضات لا تُسقط الفكرة جُملةً، ولكنها تعيدها إلى ميدان الممكن، حيث تُقاس السياسات بما يحتمل الواقع لا بما تهوى العقول.. 

 

ومع ذلك، فالفكرة -على ما فيها- تلبي حاجةً نفسيةً وفكريةً، فهي تلبّي حاجةَ شعوبٍ لم ترَ في العولمة الجارية إلا تعميمًا لذائقةٍ واحدة، وتغليبًا لخطابٍ اقتصاديٍّ على جميع الخطابات، ومحوًا بطيئًا لحدود اللغات والديانات والعوائد. هنا تُغري الأوراسية الجديدة إذ كانت وعدًا بالاعتراف لا وعدًا بالذوبان، ووعدًا بالشراكة لا بالتبعيّة، ووعدًا بمقابلة: حقّ التدخّل بحقّ: الاختلاف. 

ولعلّ هذا هو سرُّها الذي راقت به -في روسيا وغيرها من دول الجنوب- لكثير من الساسة والأكاديميين والطلاب..

على أنّ تحويل هذا الوعد إلى سياسةٍ ناجزةٍ مشروطٌ بعملٍ أطول من الشعارات، وليس هو بأقل من بناءِ اقتصادٍ قادرٍ على الاضطلاع بالأثقال، وصناعةِ معرفةٍ تُضاهي ولا تقلّد، وتأليفِ ضرب من المصالح الحقيقية التي تَصبر على الأزمات. فليس يكفي أن تُستعاد اللغةُ الإمبراطوريةُ لكي تُستعاد الإمبراطورية؛ وليست تكفي الجغرافية حتى تُبعث فيها الإرادات. 

 

ومن هذا الباب يدخل النقدُ الذي يرمي مشروع دوغين بالمثالية و "الطوباويًّة" حين يُشير هذا النقد إلى الهُوّة بين القدرة والغاية، وحين يشير إلى أنّ ميزان القوى لا يرحم من يخطئ تقدير نفسه أو يتوهّم من أنصاره ما ليس في مقدورهم.

ولا يقف نقد النقّاد عند مشروع دوغين بل يتعدّاه إلى شخصه، ثمّ يجاوز حدّ النقد إلى حد السخرية والاستهزاء عند شانئيه، فدوغين عند أوسطهم موصوم بالثرثرة وعند من ورائه موصوم بالهذيان والهلوسة، ولعلّ نقد النقّاد اشتدّ عليه بعد أن بسط رؤاه في كتابٍ نشره عام 2007,  ونحنُ نسوق بعض أفكاره من هذا الكتاب، وقد ترجمه إبراهيم إستنبولي عام (2022) بعنوان: «الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة - عصر الإمبراطوريات الجديدة - الخطوط العامة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين» ونشره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 476 صفحة من القطع المتوسط. 

وفي آخر الكتاب.. كتب دوغين فصلًا أسماه: «بدلًا من الخاتمة» نسوق فيه قوله بعبارته مع بعض التصرّف، فهو يقول: 

‏إن المشاكل الأساسية التي تواجه البشرية هي:

 

‏1- خطر "نهاية الكون" من قبل العولمة 

‏2- خطر المسيح الدجال (على اختلاف مسماياته في الإسلام والمسيحية واليهودية) وارتباطها بالعولمة

‏3- خطر تدمير الهويات السيادية (ثقافات الأمم والأديان، الدول والأعراق…إلخ) تحت تأثير وضغط العولمة

‏4- خطر استبدال منظومات بيوميكانيكية بالبشر- مستنسخات وكائنات سيبورغ يتم تصميمها وتخليقها على أنها "بشر من دون مشاعر ومن دون انتماء عرقي"، باعتبارها "كائنات مستقلة ذاتية الحركة" و"صفحة بيضاء (tabula rasa) وذلك من قبل العولميين. 

 

‏ويقول: إن السلاح النووي سينتشر لأنه سيكون الحل الممكن الوحيد للدفاع عن النفس، وقال سيكون هناك سلاح نووي لدى كل من كوريا وإيران وتركيا واليابان وبعض البلدان العربية إضافةً إلى بلدان أميركا اللاتينية والوسطى وفي منطقة المحيط الهادئ. 

 

‏وقال: ستعلن الولايات المتحدة الأمريكية وأتباعها في العولمة والفكرة الأطلنطية والعالم أحادي القطب عن إنشاء "حكومة عالمية" تحاول فرض إرادتها على جميع البلدان وسيكون قوام جيشها العولمي: الإنسان المُستنسخ والسيبورغ، وسيكون في مواجهتهم: المتمردون الأوراسيون. 

 

‏وقال: بحلول عام (2050) لن يبقى هناك عمليًا دولٌ مستقلة في صيغتها الراهنة، بل كيانات تابعة لأربعة فضاءات كبرى هم اللاعبون الجيوسياسيون الرئيسون، وهم: 

 

‏1- أميركا الكبرى: سوف تضم ثلاث دول ضخمة: 

‏هي أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) وأميركا الوسطى وأميركا الجنوبية

 

‏2- أوروأفريقيا وتضم: الاتحاد الأوربي والخلافة العربية وأفريقيا السوداء. 

 

‏3- أوراسيا: وتضم أوراسيا الصغرى (روسيا وبلدان رابطة الدول المستقلة) والإمبراطورية الإسلامية القاريّة (إيران وتركيا وباكستان) والهند

 

‏4- مجموعة الدول في المحيط الهادئ: الصين واليابان، إضافةً إلى عدد من "الفضاءات الكبيرة" المعزولة في المحيط الهادئ مثل ماليزيا وإندونيسيا وأستراليا.

 

‏وفي استرساله في هذا الجو الأوريولي المستوحى من رواية «1984» قال: 

‏سوف تتحد الدول العربية في إطار أحلاف متكاملة مختلفة ضمن "فضاءات كبيرة"- ضمن فضاء أوروأفريقيا (الخلافة الإسلامية) وأوراسيا (الإمبراطورية القاريّة الإسلامية) 

 

‏ثم قال: 

‏سوف تزول إسرائيل بكونها دولةً قومية وتتلاشى بعد سلسلة من الحروب الدامية في الشرق الأوسط، وستتحول إلى منطقة ثقافية دينية خاصة قائمة على حكم ذاتي مع وضع قانون معترف به دوليًا. 

 

‏ثم قال: 

‏سوف تختفي الأنظمة الاستبدادية المباشرة أو الأنظمة الدكتاتورية العنيفة. كما سيصبح الشكل الأوربي من الديموقراطية من مخلفات الماضي. 

 

‏وفيما يتعلق بعدد السكان قال:

‏ إنه سيبقى عند مستوى عام (2005) لأن القسم الأعظم من البشرية سوف يُقتل في أثناء الثورات المناهضة للعولمة التي ستشارك فيها شعوب وأمم بأكملها وستؤدي النزاعات إلى كوارث بيئية وتكنولوجية وإلى ظهور فيروسات وأمراض جديدة. 

 

‏وفيما يخص الإيمان والأديان قال: 

‏سيختفي الملحدون وغير المؤمنين بعد صدمة أحداث نهاية الكون التي ستندلع من حولهم. سيزداد عدد المسلمين بطريقة حادة كما سيزداد عدد المنتمين إلى فرق أرثوذكسية جديدة وروحانيات جديدة. أما في أوروبا فسوف يسود ويسيطر الإسلام الأوروبي مع جيوب لأقلية كاثوليكية بروتستانتية. 

 

‏وفيما يخص الأخلاق والقيم قال: 

‏سوف ينتشر الحكم بالإعدام بقوة، حتى ولو كان لقاء جرائم عادية وغير كبيرة. سوف تفتقد حياة الإنسان تلك الأهمية التي هي عليها اليوم، وستبرز قيم أخرى أقرب إلى القيم التي كانت سائدة في القرون الوسطى. 

‏سوف تصبح الأسرة إحدى أهم الخلايا في الثورة الأوراسية بمواجهة الانتشار الأطلنطي للشذوذ الجنسي الشامل، ولكنها ستكون أسرة من صنف جديد باعتبارها نتاجًا للممارسة الإيروتيكية الثورية المحافظة التي ستكون شكلًا من أشكال الاحتجاج الجنسي ضد الممارسة المعولمة لتغيير الجنس والمثلية الجنسية والاستنساخ.

***

 

هكذا يُلخص دوغين نظرته للمستقبل، وهكذا يسرد الماضي والحاضر في مقدماتٍ متتابعة متجهة إلى المستقبل الذي ينظر إليه.. وهكذا أخذ دوغين موضعه من الفكر والسياسة، فرفعه معجبوه وغيرهم ممن يلذّ لهم أن تُنتقد الحضارة الغربيّة والقِيَم الليبرالية على كل حال.. 

وكتابات دوغين كتاباتٌ تُعجب الثائرين على هذه الحضارة وتجمعهم على التبشير بهذه الكتابات، وقد تُنسيهم في غمرة الإعجاب أنّ الرجل يدعو لمجد قومه وتاريخهم ومصلحتهم دعوةً مقدّسة مبجّلة، للغيب وعالم الأرواح فيها أوفر الحظ والنصيب.. 

ودوغين وإن دعا للأحلاف فإنّنا نراه في تعليقاته السياسية يتزمّت في حق روسيا ولا يرضى منها أن تتنازل باليسير في الحين الذي يُلحّ فيه على أحلافها بالتنازل الكبير، وهو يدعو الأمم إلى التحرر من النفوذ الغربي إلّا أن يكون سبيل هذا التحرر مُضرًا بمصلحة روسيا، وإن كانت من المصالح العارضة القابلة للاحتواء، ومثال ذلك حين ظهر مُغضبًا من تركيا بعدما دعمت الثوّار السوريين لتحرير سورية من حكم الأسد، والثوّار من جُملة من قد تشترك مصالحهم مع بعض ما يدعو إليه من الأفكار الثائرة على العولمة، وهو يعلم أن تركيا ممن يُعوّل عليها في مناهضة تمدد البحر كما يزعم وكما يدعو، ولكنّ مصلحة روسيا الضيّقة في بقاء نظام الأسد الفاسد منعته من التروّي في السورة والاحتداد على تركيا.. 

وللرجل بعدُ مواقف وآراء يراها من يتفق معها في الغاية: موغلةً في الاضطراب، وله على أرض التعصّب لدينه وقومه: معمارٌ يراه من يوافقه في نقد الغرب مائلًا وآيلاً للسقوط لأنّه وإن بُني بهيكل مستقيم وأعمدةٍ مستقيمة وارتفع إلى حيثُ شاء فإنّه قد بُني على أرضٍ مائلة لا تصلح للبناء.. 

 

وإذا نزع النقّاد من فكر دوغين كل فضيلة، فإنّه تبقى لأطروحات دوغين فضيلة لا تُنكر، وهي أنّها أعادت الأسئلة الكُبرى إلى موضعها بعد أن كادت العولمةُ تجعلها من المحرّمات أو المنسيات وهي الأسئلة التي تسأل عن حقّ البشر في أن تُصان اختلافاتُهم وتُنظَّم حواراتُهم، وهي الأسئلة التي تبعث المطالب في ألّا يُقاس البشر بمعيارٍ واحد مهما ساد هذا المعيار..

والجواب عن هذه الأسئلة عند دوغين ليس هو من عمل الخطابة والحوار والتنظير والمؤتمرات، بل هو من عمل الصناعة، والاقتصاد، والسلاح، والوقت. 

 

يُثير فكر دوغين الأسئلة عن أشياء طال عليها الأمد فُظنّت من المسلمات، وهو يُثير الأسئلة على نحوٍ يردّ السياسة إلى مقعدها الأصيل: مقعدِ الممكن الشريف بين المطلوب المرجو والموجود العنيف، فإذا تحقق من فِكر دوغين قدرٌ، كان من أثر هذا القدر أن يُسقِط عن العولمة ثوبَ الحتم والقدَر ويعيدها إلى مقام الاختيار، وأن يربّي في السياسة أدبَ الاعتراف بالاختلاف لا أدبَ استلحاق الحضارات المختلفة، وأن يضع الجغرافية في موضعها الحقّ: حيث لا تكون سجنًا يغلق الأبواب، ولا طريقًا واحدًا لا يتعدّد، بل إمكانًا في قوّته أن يحدّد حركة الأمم ثم يدعوها إلى فعل الإرادة.

تلك خلاصة «الأوراسية الجديدة» كما أرادها صاحبُها: برٌّ يُقيم في وجه بحرٍ تعاظم موجه، وتعدّدٌ يقابل أحاديّةً استبدّت بنفسها، و "روسيا" تُطالِب نصيبَها من القيادة بما بقي لها من قلب الأرض وبما تنشئه من أحلاف وأنظمة. 

فإن قيل: إن الطريق إليها طويلٌ، قيل: إنّ كلَّ مشروعٍ كبير يبتدئ بفكرةٍ أكبر، وإنّ الأمم التي لا تُحسن صوغ فلسفتها تُكتَب فلسفتها بيد غيرها على غير ما تهوى. 

وبين هذا وذاك تمشي التجربةُ الروسية وتُطيل النظر في الخريطة، وتجرّب من القوى ما يُتاح، وتُقايِسُ بين ما ينبغي وما يُستطاع؛ فإن أصابت أُتيح لها أن تقيم من التعدّد سياجًا لسيادتها، وإن أخطأت أبقت للأفكار فضلًا لا يُمحى؛ وهي أنّها نبّهت العالم إلى أن الغَلبة ليست حُجّة تسلب الإرادة، وأنّ البحر مهما اتّسع لا يُغني عن اليابسة. 

وتلك خلاصةُ رجلٍ جعل من الجغرافية فكرًا، ومن الفكر سياسة، وألقى في بركة الجدل العالمي حجرًا كبيرًا ما تزال دوائره على صفحتها تتسع، فإن شئتَ سَمّيته مهندسَ الأوراسية، وإن شئتَ فخصم الأحادية، وإن شئتَ فقارئَ روسيا لنفسها.. أمّا وزنُه في ميزان التاريخ فمرهونٌ بما يبقى من أثرٍ بعد أن تنقضي المواسم والفصول؛ فإن ثبت للتعدّد مكان، وارتدّت «الأحادية» عن دعوى الكونية المطلقة، كان لدوغين سهمٌ في الفعل أو التبشير، وإن غلب البحرُ مرّةً أخرى فسيُحسَب له أنّه قال «لا» مفصّلةً حيث قيل «نعم» مجملة، وأنّه طالب للعالم بميزانٍ أعدل من ميزان القوّة وحدها.. 

 

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...