بينا كنتُ أتصفّح المنشورات، عرض بي منشور للأستاذ طارق القرني وهو من المشتغلين باللغة في جوانبها التي تتصل بالفلسفة، يقول في منشوره:
«قصيدة ”خذني إليك أما تعبت وأنت تأخذني معك“ أعدها من معلقات الشعر العربي المعاصر»
فجاوزتُ المنشور إلى غيره، غير عابئ بما قال، ثمّ عاد إلي المنشور بعد أن أعاد نشره أحد المشتغلين بالأدب، واستوقفني أنّي لم أرَ من يُنكر على الأستاذ رأيه، وقدّرتُ أنّ الناس في شُغل أو أنهم ملّوا مثل هذه الآراء فجاوزوا المنشور كما جاوزته، ومع ذلك فقد بقي احتمال أنّ الناس أساغت على التكرار مثل هذه الأراء.. والحق أنّ الأستاذ بكلمته هذه أتى بكبيرة في شِرعة الأدب، إذ لو كنّا في عصرٍ تُعلّقُ فيه القصائد لما جاز أن تكون هذه القصيدة فيه من المعلقات إلّا أن نُقر ونعترف بأنه عصر انحطاط في ذوق النقاد والمتذوقين..
فإذا رضي الأستاذ طارق أن نكون في هذا العصر، فلقد نسلّم له ولكنّي أكون من الآبين على أنفسهم أن يكونوا مِن جُملة مَن يوصمون بانحطاط الذوق فيرضون تعليق هذه القصيدة.. ولستُ أسلمُ من هذه الوصمة، إلّا بأن أبيّن أنّ هذا النظم مما يأباه الذوق السليم والحس الصحيح..
وما كنتُ أُحبُّ أن أتعرّض للشاعر في قصيدته، ولكنّ الأستاذ طارق قد اضطرني، ولا بدّ لي من أن أقول شيئًا كي أرفع التُهمة عن المتذوّقين، فليسامحنا الشاعر وأرجو أن يكون قد قال بعد القصيدة ما يستحق أن يُعلّق في هذا الزمن أو في الزمن الذي يرتضيه الأستاذ طارق.. فأقول على عُجالة: إنّي بحثتُ عن القصيدة بعد كلام الأستاذ طارق -ولم أكن أعرفها- فوجدتها هكذا:
"خذني إليك أما تعبت وأنت تأخذني معك؟
أدخل خطاي إلى لهيبك كي ترى ما أوجعك
أحتاج ألقى الذي تلقاه لا أن أتبعك
هبني إلى عينيك واغرف من دمائي أدمعك
مرني أكن ورما بقلبك ثم أغمِد مقطعك
سر بي على أوتار عودك ثم فاجرح اصبعك
أفرغ بحنجرتي أنينك كي أئن وأسمعك!
لا كنت خلك إن شهقت و لم أوسع أضلعك
لا كنت منك إذا انكسرت وما انحنيت لأجمعك
لم قلت لي إن الزمان ولو بغى لن يخضعك؟
أقنعتني أن الحياة أرق من أن تفجعك
وفجعتني بك خاضعاً هبني فماً كي أقنعك
من شيع النور الذي شيعته ما شيعك
ستضيء رغما عن بكائك ثم تأخذني معك
وتروض الزمن الجموح مجدداً .. ما أشجعك!
فكأن أنياب المصائب عانقتك لترفعك
وكأن حزن الأنبياء أتى عليك وودّعك"
فلنطّلع على هذه الأبيات ونرى ما وراءها، يقول:
"خذني إليك أما تعبت وأنت تأخذني معك"
والشاعر يقصد خُذني إلى أعماقك، ودع عنك ما عودتنيه من الاصطحاب، ولا يجوز أن يُقصد غير هذا الفهم وإلّا سيكون الكلام ليس له معنى، على أنّه ليس فيه زيادةً في المعنى على كل حال، فالاصطحاب لا يمنع من البث ولا من التكشّف..
ثم يقول:
أدخل خطاي إلى لهيبك كي ترى ما أوجعك
والشاعر هنا يوغل في المعنى الأول، أي أدخلني إلى جوفك، وهو يقول أدخل خطاي إلى لهيبك.. يقصد إلى "موضع لهيبك" وهو الصدر والقلب، وهذا معنى غاية في الفساد والركاكة والثقل.. يقول أدخل خُطاي! والخُطى لا تُدخل وإنما الذي يُدخل الإنسان نفسه، وليس في تخصيص الخطى معنًى حسن، فما زاد على أن قال اجعلني أدوس على قلبك، كي ترى قدماي ما الذي أوجعك، وهذا عجب فالشاعر يرى ويُحس بقدمه! ولعلّه قد كتب هذه القصيدة بقدمه كذلك!
ثم يقول:
أحتاج ألقى الذي تلقاه لا أن أتبعك
وبقطع النظر عن القول الفصيح الذي يقضي بلزوم الفعل "أحتاج" فإنّ من تبع أحدًا في طريق فسيلقى ما يلقى في العادة، فماذا يُريد الشاعر من محبوبه؟ وقد كره أن يؤخذ وأن يتبع! نعم يريد أن يدوس على قلبه كما تقدّم كي يُحس ويرى..
ثم يقول:
هبني إلى عينيك واغرف من دمائي أدمعك
وهذا معنًى سامج ثقيل، فالناظم يُريد من محبوبه أن يبكي دمًا لا دمعًا، ولو قلنا إن الشاعر يُظهر هنا أسمى معاني التضحية، فما يُفيد محبوبه في حُزنه وهو باكٍ على كل حال؟! وقد كان يبكي بـ: "دمع" فصار يبكي بـ "دم"، أتُراهُ أراد أن يوفّر عليه حرفًا في اللغة! إنّه إذًا لكريم!
والحرف الذي يُريد أن يوفّره هو حرف "العين" والناظم قال: "هبني إلى عينيك" فهنا عين وهنا عين! ولابد أنّ تكون بينهما علاقة عند الحداثيين العميقين! أو يكون لها علاقة في الدراسات التداولية أو الإدراكية أو الأسلوبية!! فلندعهم يغرقون في العُمق ولنعد نحنُ إلى النظم، فإذا عُدنا وجدناه يقول:
"مرني أكن ورمًا بقلبك ثم أغمِد مقطعك"
الله المستعان! ولا أزيد.. وأدع نقد هذا البيت للقارئ..
ثم يقول:
"سر بي على أوتار عودك ثم فاجرح اصبعك"
والآن أخيرًا رضي الناظم أن يتبع محبوبه كما هي عادة الشعراء، ولكنّه أبى أن يكون منهم، لأنّ الشعراء لا يطلبون من معشوقيهم أن يجرحوا أصابعهم..
وأحسبُ أنّ الناظم هنا أراد أن يقول: احمِ أصابعك من العزف على أوتار الحُزن بأن تجعلني دريئة بين أصابعك وبين الأوتار.. ولكنه قصّر في اللفظ والمعنى لأنّه لا يريد أن يكون من الشعراء..
ثم قال:
"أفرغ بحنجرتي أنينك كي أئن وأسمعك!"
يقول صِح كي أصيح معك ونجعلها مناحةً، وهذا المعنى
غاية في الطراوة والليونة ولا أريد أن أزيد..
وليس يرفع الشكوى أو يقضي الحاجة أن يصيح من أجلها اثنان لا واحد..
ومن بلادة الشعور وجمود الطبع ألّا يصيخ الشاعر لأنين محبوبه ولا يتلمّس شجاه، حتّى يُحوجه إلى أن "يُفرغ" أنينه كله في حُنجرة عاشقه، ثم لا يكون من معونة العاشق إلّا أن يسمعه! ويئن بعد الإفراغ كأنّه "مكبّر الصوت"!
وهذا هو الترتيب المنطقي: أن يسمع ثم يئن ما بدا له، ولكنّ القافية حكمت على الناظم أن يئن ويسمع، وهو بذلك يسمع أنينه هو لا أنين محبوبه!
ثم قال:
"لا كنت خلك إن شهقت و لم أوسّع أضلعك"
وإنما الذي يتوسّع الصدر لا الأضلاع، فماذا يعني أن تتوسّع الضلوع؟ يعني أن تزداد طولًا أو عرضًا أو عمقًا فيضيق بها الصدر لا يتوسّع! فما هذا الخل الثقيل؟ الذي يزيد الضيق ضيقًا؟ ألم يكتفِ بالعويل حتّى زاد في الضيق!
وكان [بوسع] الناظم أن يقول:
لا كنت خلّك إن شهقت
«ولم أؤمن مفزعك»
فهذا بتمام الشطر أشبه، ولكن الناظم يُريد الضيق لا الوسع!
ثم قال:
"لا كنت منك إذا انكسرت وما انحنيت لأجمعك"
وهذا فسادٌ في العقل وفسادٌ في الذوق، أمّا فساد العقل فهو إذ يقول: لا كنت منك إذا لم أجمعك بعد انكسارك، وقد فات الناظم أنّه لو كان من محبوبه لانكسر معه..
وأمًا فساد الذوق فهو أنه ينتظر من محبوبه أن ينكسر كي يُثبت له أنه حبيبٌ مساعد! وقد كان أخلق به أن يقول: لا كنتُ منك إن لم أمنع تكسّرك.. على أن التكسر في هذا المعنى ركيك وعامي..
وهو لن يستطيع أن يمنع التكسّر فغايته أن يرى محبوبه باكيًا فيجلس إليه ليبكي معه كما تقدّم..
ثم قال:
لم قلت لي إن الزمان ولو بغى لن يخضعك؟
أقنعتني أن الحياة أرق من أن تفجعك
وفجعتني بك خاضعاً هبني فماً كي أقنعك
الله المستعان.. ولقد أحسن به محبوبه إذ لم يهبه فمًا فقد علم أنّه لن يواسي وإنما سيُضجره بالصُراخ.
ثم قال:
"ستضيء رغما عن بكائك ثم تأخذني معك"
هنا يُلح على محبوبه إلحاح الأطفال كي يصطحبه، وقد كان يأبى ذلك في مطلع النظم، فقد كان يقول: أما تعبت وأنت تأخذني معك!
أحسن الله عزاء محبوبه..
ثم يقول:
وتروّض الزمن الجموح مجدداً ما أشجعك!
يقول "ما أشجعك!" وهذه عنده غاية المواساة!
فكأنه يقول له: ستضيء رغمًا عن بكائك وتروّض الزمن الجموح أحسنت يا بطل يا أسد ويصفّق له!!
ثم يقول:
"فكأن أنياب المصائب عانقتك لترفعك"
وقد جعل للمصائب أنيابًا، وهي استعارةٌ مقبولة، ولكن لماذا لم يُكمل هذه الاستعارة بشيءٍ من لوازم الأنياب! فقد جعل للمصائب أنيابًا كي تعانق بها! فمتى كان ذوو الأنياب يعانقون بأنيابهم؟
ثم يقول:
"وكأنّ حزن الأنبياء أتى عليك وودّعك"
يريد أن يقول إنك ستخرج من المصائب كخروج الأنبياء منها، ولكنّه أتى بعكس هذا المعنى، إذ قال إنّ حُزن الأنبياء "أتى عليك" ولم يقل أتاك، فالحزن إذا أتى على الإنسان يكون بذلك قد قضى عليه، ولم يودّعه إلّا صريعًا.
وبعدُ فثمّة بيتٌ في عرض الأبيات وهو:
من شيّع النور الذي شيّعته ما شيّعك
وقد جاوزناه لأننا لم نعلم ما نقول فيه، فلسنا نعرف له مدخلًا، فهل كان تعزية؟ أم تراه كان حكمةً؟ أم مدحًا؟ أم رثاءً! والثابت من كل ذلك أنّه كان في جملة منقطعة لا تتصل بما قبلها ولا بما بعدها، فلو جعلته في مطلع القصيدة كُنت كمن جعله في مقطعها أو في عرضها، بل إنّ إهمال البيت أجمل بالناظم من إثباته، وكأنّي بالناظم قد بسط أمامه كلمات المعجم على هذه القافية، فوجد منها "شيّعك" فجعلها قافيةً لبيته ثم احتال على أن يقدّم لها، فأعياه، فركّب جملةً تستقيم على الوزن إذ أعياه أن ينتظم لها معنى، ثمّ تورّط ولم يدرِ أين يضع هذه الجملة، فوجد أنه قال في إحد الأبيات: "يُضيء"، فالحمدلله هذه إضاءة وهنا "نور" يُشيّع! فليتجاورا وسيجد له الحداثيّون معنى وربّك الرزّاق.
***
هذا مُجمل القول في القصيدة، ولسنا في وارد التفصيل، وقد اقتصرنا على المعاني التي إن فسدت لم يستقم بعدها شيء، ولو قد عنينا بنقد اللغة لكنّا نطيل بل نفحش في التطويل..
وأظنّه إجمالًا يكفي الأستاذ طارق، وأرجو أن يكون قد رفع من شأن القصيدة على سبيل المجاملة، فالمُصيبة في الإدهان أهون من المصيبة في الهذيان.. أو لعلّه قال ما قال انفعالًا بخاطرٍ ما، أو انفعالًا بأي شيء إلّا أن يكون انفعالًا بمعاني القصيدة..
والأستاذ طارق ذو عقل، ولا بدّ لعقله أن يهديه إلى الذوق والقول الفصل.
ولو أنّ الأستاذ طارق قد استجاد القصيدة لكُنّا تركناه لِما استجاد، ولكنّه أراد للقصيدة أن تكون معلقةً للعصر، ولو قد قال هذا غيرُه، لكنّا مضينا عن المقالة ولم نعقّب..
ولكنها مقالته وهو الذي أراد تعليق القصيدة! وما زلنا نُبتلى بمثل هذه التهويلات، فمن حق الأدباء علينا ومن حق الناشئة في عصرٍ ننشدُ فيه النهوض والترقي أن نُرجع القصيدة إلى حيثُ ينبغي لها أن تكون..
وبعدُ فعلى ناظم الأبيات والمعجب بها أن يقنعا من نصيبها في "التعليق" بأن نُعلّق عليها هذا التعليق..
👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻
ردحذف