التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرة في فوز العمدة

  


 

لم تكن انتخابات نوفمبر في الولايات المتحدة عادةً مكرورة ككل عادة في محفلٍ من محافل الانتخاب، فقد كانت مرآة صافية لما يعتمل في باطن المجتمع الأمريكي من اضطرابٍ في الفكرة والسياسة والضمير. فالأمة التي اعتادت أن تُدلّ بديموقراطيّتها، وجدت نفسها مُثقلةً بها في أيسر مبادئها؛ إذ تعطلت حكومتها الفدرالية أسابيع بسبب صراعٍ حزبيٍّ على الموازنة، وانكشف النظام السياسي عن انقسامٍ لا يخفى على أحد.

وفي هذه الأجواء، جاء فوز المرشح الهندي الأصل المسلم الديانة الأوغندي المولد الأمريكي المهجر: زهران ممداني، أقول جاء فوزه برئاسة بلدية نيويورك حدثًا له معنى يتجاوز حدود المدينة. فهو صوتٌ جديد خرج من التيار الديمقراطي الاشتراكي، الذي أخذ يتمدد بين الشباب والطبقة العاملة بعد أن ضاقت صدورهم بوعود الرأسمالية ومظاهر الغنى الزائف، وهو صوتٌ جديد خرج من غير المؤسسة الحزبية التي تناوبت على الحكم سنين تلو سنين..

 

لقد خاض المرشّح المهاجر حملته ببرنامجٍ بسيطٍ في ظاهره، عميقٍ في مقصده، وجملته: أن تعود المدينة إلى الناس لا إلى أصحاب الثروة. فدعا إلى رفع الأجور، وتجميد الإيجارات، وتوفير خدماتٍ أساسية تليق بكرامة المواطن. وما كان لهذه الدعوة أن تجد آذانًا صاغية قبل عقدٍ أو عقدين، ولكن الأزمات المتلاحقة، وتفاوت الدخل، وضيق المعيشة، جعلت هذه المطالب أقرب إلى صوت العقل منها إلى نزوات الحالمين..

غير أن المناخ العام في أمريكا لم يعد بمعزل عن تأثير العالم من حوله. فالأحداث الكبرى كالحرب في غزّة وما أثارته من نقاشات حول معنى العدالة والإنسانية كان لها سهم وافر في التأثير على الناخب الأمريكي، وهو أثر نتوسّمه في لغته ومزاجه السياسي، فلم تكن مأساة غزّة حادثةً في حدود الجغرافيا وحدها، وإنما كانت حادثةً في ضمير الإنسانية جمعاء. فقد انكشفت بها أقنعةٌ طالما تقنّعت بها وجوه الدول الكبرى لتستر بها أنانيتها، وبدت الحضارة الحديثة –في ذروة ما تزعم من إنسانية وعدل– عاجزةً عن أن توقف حربًا أو تمنع تهجيرًا، لا بل عن أن تدخل رغيفًا أو مصلًا إلى غزّة.. 

تلك الحرب جاوزت فضح إسرائيل، إلى أن عرّت الصمت الأمريكي الذي لبس ثوب الحياد أمام شعبه وهو أحرص ما يكون على الانحياز، وبيّنت أن ما يسمّى “النظام الدولي” لا يعدو أن يكون نظامًا لمصالح الأقوياء.. 

إنّ الأثر الممتد للحرب إذا لم يظهر في تبدّل السياسات الرسمية، فقد كان في اهتزاز المعاني في الوجدان الشعبي الأمريكي. فهناك جيلٌ من الشباب نشأ في ظلّ وفرةٍ اقتصاديةٍ فائضة وشعاراتٍ براقةٍ عن الحرية والعدالة، ثم رأى كيف يُقاس الإنسان في السياسة بموقعه من المصلحة لا بموقعه من الحق، وكيف تُجزّأ القيم بين داخلٍ مستورٍ وخارجٍ مباح. فتولّد من ذلك وعيٌ جديد، لا نغالي ونقول إنّه يُغيّر موازين القوة، ولكنه يغيّر لهجة الحديث ونبرة السؤال، وهو أول التحول في كل ضميرٍ حي.

ومن هذا؛ خرج صوت المرشّح المهاجر ناطقًا بلغةٍ تلتقي فيها العدالة الاجتماعية مع الشعور الإنساني العام. وحين وصف ما يجري في غزّة بأنه جريمةٌ ضد الإنسانية، كان يخطب في الضمير الغربي في قلب مدينة اليهود.. وكان مثل هذا القول –قبل أعوامٍ يسيرة– كافيًا لإسقاط أيّ مرشّح، فإذا به اليوم يُسمع بلا تشنيعٍ ولا استنكار. وليس في ذلك إعجاز، فهذه سنّةٌ من سنن الرأي العام إذ يبدأ الخطاب بالهمس ثم يعلو ويُلح حتى يُصبح نغمةً مألوفة لا تنفر منها الأسماع.

وقد لخّص الرئيس ترمب هذه المفارقة على طريقته حين قال: “كانت كلمةٌ سيئةٌ عن إسرائيل تُدمّر مستقبلك السياسي، واليوم كلمةٌ حسنةٌ عنها قد تُدمّرك”. 

وهذه كلمةٌ تحمل من السخرية قدر ما تحمل من الصدق، إذ تُشير إلى أن دائرة القول المأذون به اتسعت قليلًا، وهذا الاتساع في القول بداية الاتساع في الفكر.

 

إنّ فوز ممداني له مقياسٌ آخر يُقاس به ويناسبه ولا يجاوز قدره، فهو يُقاس بما دلّ عليه من تبدّلٍ في الوعي. فهو صفحة صغيرة في سجلٍّ طويل، ولكنّ التاريخ إنما يُكتب من هذه الصفحات التي تتراكم في صمت، حتى إذا بلغ الصبر حدَّه تبدّلت الأنظمة دون أن يُحس أحد ببداية هذا التحوّل.. وما السياسة إلا وجهٌ ظاهرٌ لما يجري في أعماق الفكر من لَجَبٍ لا يهدأ..

 

ومن هنا، فإنّ فوز ممداني لا يدلّ على انقلابٍ يعوّل عليه في ضمير الشعب الأمريكي، فهو تحولٌ أخذ شكلًا آخر من أشكال التحوّل غير شكل الانقلاب، وهو شكل نصفه بأنّه ميلٌ خافتٌ نحو مراجعة الضمير، كما تفعل الشعوب حين تُرهقها صراعاتها الداخلية فتحتاج إلى نغمةٍ جديدة في الخطاب العام.

ففوز المرشح المسلم إذًا هو أثر من آثار القضية الفلسطينية ولسنا نعدو به قدره لنقول إنّه انتصار لها في صناديق الاقتراع، فنحن لا نشهد انقلابًا على النفوذ الصهيوني الراسخ، ولكننا نشهدُ أن سلطان الخوف بدأ في التراجع، وأنّ النفوذ الصهيوني آخذٌ في التقلّص وأنّ الرأي العام في الولايات الأمريكية لم يَعُد كتلةً صمّاء تملي عليها الصحف ما تقول. فالمسألة ليست أن الناخب الأميركي أصبح نصيرًا للعدل في كل أنحاء العالم، وإن كان قد بدأ يدرك –ولو في غموضٍ خافت– أن الظلم في الخارج له صداه في بيته، وأنّ العدالة مبدأ لا يتجزّأ بين شارعٍ وساحةٍ وحدود.

ومع أنّ الناخب الأمريكي اعتاد في أعمّ أحواله، أن يذهب لصناديق الاقتراع ليصوّت لمن يُحسّن له الطريق وينظّم له المواصلات ويُخفّض عنه الضريبة، لا لمن يرفع شعار العدل العالمي؛ إلّا أن السياسة، كالحياة، تُبنى من تراكم الأفعال الصغيرة؛ وما يُقال اليوم في الجامعات وفي أوساط المثقفين يُترجم غدًا إلى حوار الشارع حتّى يترسّخ هذا الحوار في وعي الأمة..

 

ولهذا التحوّل سببٌ آخر من غير ما ذكرنا، وهو "طُغيان النقيض" الذي لا بدّ أن يستصحب نقيضه، وهو ما مثلته إدارة ترمب في ولايته الثانية؛ فهي ردّةٌ عن المبدأ إلى العصبية، وعن النقاش إلى التهديد. فالرئيس الذي يرفع شعار “استعادة أمريكا” لا يستعيد من ماضيها إلا نزعة السيطرة والتمييز، ويستعمل أدوات الحكم لإخضاع المدن والولايات، ملوّحًا بقطع التمويل عنها إن خالفت هواه. وهذا النمط من القيادة يُنذر بأنّ الديمقراطية الأمريكية، وإن بقيت في الشكل، قد تفقد روحها إذا سادت فيها إرادة الغلبة محلّ إرادة القانون، وهو طورٌ تقوى فيه الدولة على المدى المنظور استجابةً لضعف الهيبة أو طلبًا في إحكام النفوذ، ولكنّها تضعف على المدى البعيد، وما زال هذا النمط من القيادة مُبغضًا عند عامة النُّخب الأمريكية.. 

إن ما تشهده أمريكا اليوم هو صراعٌ بين ضميرين: ضميرٍ يطلب المساواة في الداخل ويحاول التخفف من إرث الهيمنة في الخارج، وضميرٍ لا يرى في الوجود السياسي إلا ميدانًا للربح والخسارة. 

وفوز ممداني، على تواضعه، هو تجلٍ من تجليات الضمير الأول؛ لأنه يعبّر عن رغبةٍ ملحة في أن تُدار شؤون الناس بعقلٍ أقل جشعًا وضميرٍ أقل صخبًا وهو يعبّر قبل ذلك وبعده عن أثر ازدياد المهاجرين على الديموقراطيّات.

وبعدُ فقد تعترض طريق الرجل كثيرٌ من العوائق، فالمجالس التشريعية منقسمة، والرئيس يلوّح بالعقوبة، والسلطة الفدرالية لا ترحب بالتجارب الخارجة عن طوعها، غير أن الأثر الغائر يتجاوز حدود السياسة اليومية إلى مراجعة تعريف الانتماء الأمريكي. فأن يكون المهاجر المسلم الشاب، الذي لم يمض على تجنّسه سوى أعوامٍ قليلة، هو من يحمل همّ المدينة الكبرى، فذلك دليل على أنّ المجتمع ما زال -رغم كل شيء- قادرًا على تجديد نفسه من الداخل.. ومن نافل القول أن نذكّر بأنّ النظام والعجلة قد تسحق النافر الغريب، ولكن حسبنا من كل ذلك أن نستدلّ بصعود المهاجر من أمم الجنوب على أنّ النظام لم يعد يُفجأ بالخارجين عليه، وحسبنا من كل ذلك أنّ الصوت قد علا وأسمع، وما زال أمام التغيير وقتٌ طويل.. 

ومن نافل القول كذلك أن نقول إننا لسنا نعوّل على الرجل ولا ننتظر منه شيئًا فهو عمدة نيويورك في أكلح فترات الولايات المتحدة وأشدها تبجّحًا بإسناد الاحتلال والعدوان وإنّ حسبنا من فوزه أن نستدلّ به على سُنن الاجتماع وسنن التاريخ والحضارة وأن نترسّم سير الإمبراطورية العظمى.. 

 


تعليقات

  1. بات تغول التغلغل الرأسمالي الطبقي جشعاً مقيتاً مكروهً منبوذاً، وهنا أدعوك لمشاهدة فيلم In time مشهدة مثرية. دمتم في حفظه

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...