قرأتُ منشورًا لأستاذة فاضلة مهتمة بالترجمة والفلسفة تقول فيه:
"لاحظتُ مؤخرًا في كثير من الأعمال السينمائية والأدبية التي تتناول المرأة أنها تُقدم غالبًا بصورة ضعيفة نفسيًا وعقليًا، تبرر أحيانا باسم علم النفس، وكأن ألمها لا يُفهم إلا بوصفه خللًا داخليًا. فيرتبط بطبيعة جسدها: هرمونات، حمل، رضاعة، فتبدو معاناتها امتدادًا طبيعيًا لأنوثتها، لا استجابة واعية لضغط الحياة.
وكأن هناك علاقة سُمّية بين جسد الأنثى والعالم الذي تعيش فيه؛ فكل عطب جسدي يُصوَّر على أنه قابل للامتداد، ليصبح عطبًا عقليًا وخللًا بيولوجيًا، تتساوى فيه المرأة التي تعيش تحت ظروف قاسية مع امرأة تعيش حياة مريحة. فتتحول الأنثى إلى كائن أسير جسده، محكوم بدوراته وتقلباته، لا فاعلًا واعيًا يتأثر بالسياق ويقاومه.
والمشكلة ليست في الاعتراف بأن المرأة تتألم، بل في تحويل هذا الألم إلى قدر أنثوي ثابت، يُعاد إنتاجه باسم الفن والعلم، في خطاب لا يخلو من ترسبات موروث توراتي ارتبط بلعنة حواء"
وهذه ملاحظة جيدة..
ونحسبُ أننا نلمّ بطرف من بعض أسباب ما ذكرت إذا قلنا: إن فطرة المرأة المنطوية على الوهن بادية في أغلب انفعالاتها، وإذا صورها الفن كذلك فإنما هو يصوّر فيها حقيقتها المستقرة مع ما تأثرت به من داء الحضارة وعوائد الترف والهشاشة التي لم يسلم منها الرجال، وإذا كان الفن يُبالغ في إظهار هذه الحقيقة فهو إنما يُظهرها في عصر المرأة ليوسع لها العذر، فلا يُفهم منه أنّه يُبالغ في غير ما أرادت المرأة في تلك المجتمعات، فالفن يراعي إرادة المرأة هناك، أعني إرادة الحركات النسائية التي تؤثر على حركة الفنون والآداب..
والذي نفهمه من إرادة الحركات النسائية هو أنّ المرأة المغلوبة في ميدان القوّة تعود إلى طبيعتها.. طبيعة الغواية والاحتيال، وأنّ المرأة المغلوبة في ميدان الحزم تحتال على ضعفها بتسويغ الطيش وتسويغ الانفعالات الطارئة، وهي تطلب بالفن: تقليل الفوارق النفسية والجسدية باستحقاق المسامحة والإغضاء عن القصور الذي تفرضه فوارق النفس والجسد.
فلسنا إذن نأخذ على الفن من هذا الوجه وإن كنّا نأخذ عليه من غير هذا الوجه، ومما نأخذ عليه هو أنّه يتخلص من إرجاع ضعف المرأة إلى أسباب الجسد والهرمون في غير قليلٍ من الأعمال—إلى توسيع العذر وإسقاط بعض التبعات. هذا مأخذٌ بيّن. وأقربُ طريقٍ إلى تقويمه هو أن نضع له ميزانين لا يستقيم الحكم بغيرهما: ميزان الطبع، وميزان التكليف. فأمّا الأول فيعترف بما بين الجنسين من فروقٍ في البدن والمزاج وأمّا الثاني فيُبقي على أصلٍ لا يتبدّل: هو أنّ الإنسان -رجلًا كان أو امرأة- مكلَّفٌ بالرشد وضبط النفس، ولا تُسقطه عنه طبيعةٌ ولا طورٌ ولا ظرف.
إنّ الفنّ حين يَعرض «الانفعال الغالب» لا يُخطئ في أصل العرض، لأنّ من بعض وظيفته أن يمسك بالسِّمة الواضحة ويزيدها بيانًا للمشاهد. ولكنّ الخطأ يقع من وجهين: أن يُجعل هذا الانفعالُ قضاءً لازبًا لا تهذيب معه، أو أن يُتّخذ سبيلًا إلى تخفيف المؤاخذة على كلّ حال.
وهنا يلزم التفريق بين «التفسير» و«التسويغ».
فما تذكرهُ العلوم من دَوراتٍ جسميّة وأعراضٍ مؤثرة إنما يفسّر بعض الظواهر، ولكنه لا ينهض في ميزان العدالة حجةً لإلغاء الواجب. وليس من العدل أن تتحوّل البيولوجيا إلى صكّ إعفاءٍ عام، كما ليس من الإنصاف أن تُمحى الفروقُ باسم التسوية؛ فالعدل الحقّ يجمع الأمرين: يقرّ بالاختلاف، ويُطالب -مع ذلك- بالتعقّل وضبط الجنان والوجدان.
إنّه يحسن بالفن إذا أراد أن يصوّر الطبائع أن يستمسك بأربع قواعد..
الأولى: التفريق بين العارض والدائم؛ فيُصوَّر العارض في حدود الزمان والمكان، ولا يُمدّ على سيرة الإنسان كلّها في كل حين..
والثانية: الجمع بين الحقّ والواجب؛ فيُعطى الاختلافُ حقَّه، ولا يُسقط عنه نصيبَه من مسؤولية الرأي والفعل.
والثالثة: تصوير الجنس لا النمط؛ لكي تُرى المرأة في مواضع القوّة والضعف، وفي الحزم كما في الرِّقّة، وفي العمل كما في البيت، لا على صورةٍ واحدةٍ لا تتبدّل..
والرابعة: إظهار الاستعداد للتهذيب؛ فالانفعال مادةٌ قابلةٌ للتعليم، والفضيلةُ صناعةٌ تُكتسب بالتربية والتجربة، لا حظّ فيها لليأس ولا للقدرية الفنّية.
بهذا نظنّ أنّ الفن يخرج من أسر الشكوى إلى فقه الطبيعة، ومن ترف «الاستعفاء» إلى جدّ «الاستحقاق».
ومن تمام القول أن يُشار إلى أنّ «الانفعال» ليس خطيئةً في ذاته وليس هو بالخطأ على كل حال، فقد يكون رصيدَ قوة وشعور.. فإذا أُحسن توجيهه أنبت من الرحمة والحميّة ما لا يُستغنى عنه في العمران البشري. ولكن موطن الخلل أن يُترك بغير سياسةٍ ولا كابح، أو أن يُراد له أن يكون مسوغًا لكل قصور. لذلك قلنا: إنّ الفنّ لا يُذمّ إذا أبان الوهن الغالب على جهة الوصف، ويُذمّ إذا أسقط التكليف عن طريق الوصف، أو سوّغ حيلةَ الضعيف باسم الطبيعة.
هذه قواعدُ إن استقامت استقام معها التصوير. فتظلّ المرأة بذلك ذاتَ حقٍ في اختلافها، وذاتَ واجبٍ في رشدها؛ لا تُختزل إلى جسدٍ يتقلّب، ولا تُرفع إلى حيث تكون معصومةً من التبعة، بل تُرى حيث ينبغي أن تُرى إنسانًا مسؤولًا، يَمرُّ عليه العارضُ فيتّقي الله فيه، ويحمل من الدوافع ما يحمل غيرُه فيُحسن تدبيرها.
هنالك فقط يعتدل الميزان، ويخلص الفنّ من الاستسهال، ويخرج الخطاب من منابلة الشعارات إلى صناعة القيمة والفضيلة.
تعليقات
إرسال تعليق