تركت المملكة العربية السعودية الهوادة بعد أن غلّبت مطالب الحوار ومقاصد الاحتواء زمانًا طويلًا، وبعد أن مضت بالرشد والحكمة إلى آخر أشواط الرشد والحكمة.. ضرب التحالف العربي الذي تقوده السعودية شحنة عتادٍ في ميناء المكلّا قال إنّها أبحرت من ميناء الفجيرة دون تنسيق وعطّلت أنظمة التتبّع ورست دون تصريح، بقصد إمداد المجلس الانتقالي الذي حسم المعارك في جنوب اليمن..
ولسنا من محبّذي استعمال القوّة بين الأشقاء وليست السعودية من محبّذيها، ولكنّ السعودية استعملتها حيث لا مناص منها وحيثُ لا يجدي شيءٌ كجدواها..
ومع ذلك فقد بذلت أسباب التحرّز الذي يضع الضربة في موضعها الذي يُفهم منه التزامها بأمنها ويفهم منه أنّها لا تبتغي التصعيد، فهي لم تضرب السفن الناقلة ولا مرافق الميناء، وانتظرت إلى أن أُفرغت الشحنة فضربتها الضربة التي وصفناها..
لم تكن تلك الضربة إذن نزوةَ غضبٍ وانفعال، ولا حركةَ يدٍ يعبث بها الارتجال؛ بل كانت خطابًا في السياسة مرسومَ الحروف، محسوبَ الوزن، لكنّه قِيل بالفعل بعد أن استفرغ القول باللسان.
وللضربة أسباب كثيرة غير أسبابها الظاهرة وغير أسبابها الأخيرة ليس بنا أن نفصّل فيها، فهي بغير هذه المقالة أحرى، ولكننا نوجزها ولا نخلُّ بالإيجاز إذا رددنا كلّ هذه الأسباب إلى سببٍ جامع ينتظم هذه الأسباب جميعًا، وهو أنّ السعوديّة تطلب مصلحتها وتطلب أمنها وقد توثّقت مصلحتها وتوثّق أمنها باستقرار اليمن، فهي من أجل ذلك تطلب استقرار اليمن وتحارب فيه دعوات الانفصال المشبوهة التي يمدّها ويستفيد منها من لا يُريد باليمن وبالسعودية وبالعرب خيرًا..
ولابدّ من وقفة عند هذا السبب الجامع، فمعاني الاستقرار والسلام وحفظ الأمن في السياسة مثل ليلى عند العاشقين كلٌ يدّعي بها وصلًا، ولابدّ لنا من كلمة موجزة لا نتكلّف لها أسباب الإقناع، ولكن نعرض ما نحن مقتنعون به وأمّا الاحتجاج للرأي فله مساق آخر غير هذا المساق..
والكلمة الموجزة: هي أنّ المملكة تراعي مصالح الجنوب خير رعاية وعلاقة المملكة مع حضرموت والمهرة علاقة طيّبة قبل دعاوى الوحدة والانفصال وما زال الحضارمة يعيشون أطيب عيشة في كنف المملكة وكثير منهم نالوا الجنسيات وهم اليوم سعوديّون من جملة السعوديين بلا فرق ولا تمييز..
إنّ الشيء الذي خفي على داعمي المجلس الانتقالي هو أنّ السعوديّة جادة في حماية أمنها القومي وأنّ منزلة حضرموت عند السعودية فوق ما ظنّوه، وأنّ علاقتها بها علاقة بالغة الخطورة من كل وجه، فلا تبتدئ أسباب حمايتها عند العلاقة الطيّبة ولا تنتهي أسباب حمايتها عند مقارعة المشاريع المناوئة وأمّا أسبابها السياسية فلا تبتدئ عند امتداد حدود حضرموت على ما يقارب 700 كيلو مترًا ولا تنتهي أسباب السياسة والاقتصاد عند كونها مخرجًا لتجارتها إذا اضطربت تجارة البحار عند المضائق والممرات..
إنّ هم السعودية منصبٌ في الوحدة وهو مزاج يغلب على الدول الكبيرة المحافظة في تعاملها مع الدول التي تحدّها وتنسجم معها، ولكنّ السعودية هنا لا تطلب وحدةً تبخس الجنوب حقّه، وهي تتفّهم مطالب الجنوبيين وتعرف عدالة مطالبهم في استرداد حقوقهم، ومناط الخلاف عندها قائمٌ في المجلس الانتقالي الجنوبي على جهةٍ معيّنة وهو أنّه كيانٌ مسلّح خارجٌ على أمر مجلس القيادة الشرعي ومنقلبٌ على التزاماته وأنّه واغلٌ في سلسلة متصلة من العلاقات التي تنتهي مصالحها عند الكيان الصهيوني المحتل الذي يريد أن يطوّق المملكة من جنوب، وقد أفصح الكيان الغاصب عن بعض غاياته حين أعلن قبل أيّام اعترافه بصوماليلاند التي تطلب الانفصال عن جمهورية الصومال الاتحادية..
لقد قلنا قبل الضربة:
إنّ وحدة اليمن والصومال والسودان هي قضايا من قضايا الأمن الوطني السعودي ولا تقتصر دواعي ضمّها لقضايا الأمن الوطني على كون استقرارها مؤثرًا على تجارة البحار وأمن البحار، فهذا منطق لا يتعدى حدود الاقتصاد الضيقة مع كونه من الاعتبارات المرعيّة في شؤون المصلحة والسياسة..
ولكن الأمر أكبر من ذلك بكثير، وما زالت السعودية منذ نشأتها تسعى لاستقرار الأوطان العربية والإسلامية.. وقلنا: إنّ الأخطار التي تتهدّد العرب اليوم كبيرة، ودعوات الانفصال في كل ناحية، وليس يستفيد من هذا الانفصال إلّا الدول الوظيفية الصغيرة التي تعظّم قوّتها بتفتيت الدول الكبيرة..
وقلنا إنّ هذه ليست مرحلة التفاعل القاصر، بل هي مرحلة التدخّل في الشأن الداخلي للدول المضطربة، لأن حركات الانفصال في أغلب الأوطان العربية ليست حركات طبيعية ناشئة عن قضايا عادلة ولا عن ضرورات تلبي احتياجات الشعوب، وإنما هي نتيجة الاستبداد الذي يستبدل الاستبداد بالاستبداد، حيث التربة التي تستنبت بذور الشقاق والافتراق فلا تنتظر غير سقاية الدول المتربصة..
وقد ارتضينا مقياسًا سهلًا لفحص شرعية الانفصال عند أي حركة، هو «الموقف من الكيان المحتل» فوجدنا المجلس الانتقالي يرحّب بالاتفاقات الإبراهيمية ويرتضي التطبيع وربما ارتضى بعد ذلك أن ينشر قواعد للاحتلال على أرضه كي يستجلب اعتراف الدول..
إنّ أوجب ما يجب على الدول العربية المستقرة أن تحتشد خلف هذا الهم السعودي فدعوات الانفصال لا تُحل بالبيانات ولا بالاتفاقيات والمؤتمرات وإنما تُجابه بقوّة على الأرض تحمي وحدة التراب ثمّ تأتي من بعد ذلك المؤتموات وما شاءت الدبلوماسية من الحوارات..
وكنّا طالبنا بتكوين تحالفٍ لا يطمع في جمع العرب جيمعًا عند اللحظة الأولى، ولكن يقتصر على دول قليلة تضبط المصالح وتحقق الردع وتُلهم باقي الدول للدخول في الحلف وتوسيعه..
وقد نفّذت السعودية عمليتها باسم التحالف العربي ثمّ أنشأت بعد ذلك حسابًا ناطقًا باسم التحالف في وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنها بذلك تُعلن بدء مرحلةٍ جديدة في حياة هذا التحالف الذي كاد يُنسى بعد سنين من انعقاده، فاحتفى الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه بهذه الانبعاث وبهذه العملية الخاطفة..
لقد كانت خطوة المملكة خطوةً مباركة في الاتجاه الصحيح، وكنّا نقدّر أن تكون قبل هذا الوقت بكثير..
ثم إنّها جاءت تسندها قوّة الحق المبين ويشيّعها جمال العُذر المكيث..
وقد لاقت هذه الخطوة البشر والسرور والارتياح عند الجماهير العربيّة وكشفت عن قوّة ناعمة متمكّنة في نفوس الناس، وينبغي لها أن تعيد حسابات المناكفين..
لقد أفاقت الجماهير العربية على أمل في ظلام الأحداث، وصحوا على انسجامٍ يرجون له الدوام، وسمعوا عن تحالفٍ يُعيد لهم الممكن والإمكان..
حمى الله بلدان العرب والمسلمين وجمع قلوبهم وسلّ سخائمها..
تعليقات
إرسال تعليق