وليس يضير أمةً أن تتعلّم من غيرها؛ إنما يضيرها أن تفقد ميزان الانتقاء. فالأمم القوية لا تأخذ لمجرد الأخذ، ولا تُعجب لمجرد الشيوع، ولا تتزين بما لا يلائم بنيتها. إنما تأخذ لأنها رأت منفعةً راجحة، أو أدركت نقصًا معيبًا، أو التمست سبيلًا أهدى إلى الكمال.
وإذا أردنا أن نكتب في هذه المناسبة مع تحاشي التكرار فحقيقٌ بنا اليوم أن ننظر فيما ينبغي أن يؤخذ عن الأمم الحيّة مما يتصل بالحب ولوازمه..
وهو الإعجاب بالنابهين وتقديرهم..
فالأمم تُعرف حين تشهد فضلًا ظاهرًا: فهل تُقِرُّه وتوقّره، أم تَجحَدُه وتغمطه حقّه من الإشادة والتقدير؟ فإن كان أبناؤها إلى الجحودِ أسرعَ منهم إلى الإنصاف، وإلى الفتورِ عند ذِكرِ المزيةِ أميلَ منهم إلى الإكبار، وإلى التهكّمِ أقربَ منهم إلى التكريم، فتلك إذن أمةٌ قد اندمجت على عطبٍ دبّ في عمود ميزانها، واختلطت عندها القيم حتى كاد يستوي عندها الجادُّ والعابث، والمجتهد والخامل، وصاحب الأثر وطالب الصيت. أمّا إذا كان أبناؤها يُحسنون التقدير، ويُظهرون التكريم، ويجعلون للاجتهاد مقامًا معلومًا ونهايةً محمودة في نفوس الأفراد ومخيال الجماعات، فذلك مجتمعٌ حيٌّ يعمل فيه قانونٌ خفيٌّ من قوانين العمران هو قانون المكافأة التي تحفز على المثابرة وقانون الإعانة على الفضيلة التي تستديم النفع والعدل.
ثم إن الأمة التي تُجيد التقدير تُجيد بناء القدوات، والأمة التي تُجيد بناء القدوات تُحسن رسم الطموح وتوجيه العمل.
وأن يكون للإنسان قدوةٌ يعني أن يكون له حياةٌ يحياها مُعجبًا واثقًا وحياةٌ يحياها ساعيًا راجيًا..
والتعجّب حركة في النفس والحركة أصلُ الحياة ودليلها، والمُعجب بإنسان يستوفي في حاضره أسباب الاغتباط، ويدّخر لمستقبله أسباب السعي والأمل..
فالمُعجب المقتدي إذن يعيش حياتين: حياةً يطمئن فيها إلى ما هو عليه، وحياةً يمدّ فيها قلبه وعقله إلى ما ينبغي أن يكون عليه. وهذا هو سرّ النماء في النفوس والترقي في العقول..
وأنبلُ ما في الإعجاب: إظهارُه؛ لأنّ المكافأة حدٌ لا ينزل عنه الرجل النبيل، وحين يُظهر المعجَب إعجابه بالقدوة يكافئه بالتقدير على بعض ما يبذله القدوة من أسباب الحياة التي ذكرناها..
وحين يُظهر المعجب إعجابه يعوّد نفسه على التواضع، والتواضع ييسر للسالكين سُبلًا إلى الخيرات، ليس أيسرها أنّه يفتح الأنفس والعقول لاجتناء أطيب ما يبذله القدوات من الأطايب والثمار..
وليس في إظهار الإعجاب ما يَغضُّ من أقدار المُعجبين كما يتوهم بعض المتحفظين؛ لأنّ المنزلة التي تنقبض عن الاعتراف بالفضل منزلة قلقةٌ تخاف المقارنة وتتوجس من الثناء، أما القدر الواثق والمنزلة المطمئنة فإنها تعرف أن التقدير يرفع المُقدِّر ولا يحط منه؛ لأنه يُنبي عن حس مميِّز وعقل ناقد ونفس سمحة كريمة غير أسيرة لحسدٍ مستتر ولا منافسةٍ مريضة.
وثمرةٌ أخرى يبذلها القدوات للمقدّرين الذين يظهرون إعجابهم، هو أنّ مُظهر الإعجاب يقتربُ من مُعجِبهِ فيقتبس من علو نفسه مشعلًا ينير له دروب الفضل ومعارج الشرف، ولذا كان أقرب الناس للقدوات هم تلامذتهم الأدنون الذين لا يستنكفون عن خدمة القدوات ولا يجدون حرجًا في إظهار الإعجاب والتبجيل، ولسنا نقصد بالتلامذة الأدنين أقربَ الناس زمانًا للقدوات، ولكننا نقصد أصدقهم تمثّلًا وعناية، وإن أتاح الزمان وسمحت النفس فذلك بالشبه والقرب أحرى..
وأوفى إعجاب وأكمل قدوة نراها مجتمعةً حين ننظر في اقتداء الصحابة الكرام بإمام المحبّين واسطة المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فمن صدق إعجابهم به ﷺ كانوا أشبه الناس به سيرةً وسلوكا، ولأنّهم صدقوا في إكرام أعظم الخلق كانوا بعده أعظم الخلق.. هكذا هكذا لا يزال الشأنُ في الارتقاء ما دام الشأن في الإعجاب هكذا جيلًا بعد جيل..
ولقد شهد التاريخ أمثلةً بيّنة على معجبين صادقين صار إعجابهم سببًا في خيرٍ وفير لأنفسهم ولأمتهم. كان عبد الله بن عباس يُكثر ملازمة زيد بن ثابت، ويأخذ عنه العلم بخلق المتعلم الصابر، حتى صار هو نفسه إمامًا في التفسير والفقه، وكان أعلم تلامذة ابن عباس من بعده أشدهم إعجابًا به، وكذا الشأن مع الأئمة الأربعة فكان تلامذة الإمام الشافعي يتعهدون فقهه وطرائق استدلاله، فانبثقت من مجلسه مدارس اجتهادٍ صنعت تاريخًا في الفقه طويلًا؛ وأتى البيهقي من بعد الشافعي على ابتعاد المكان واستطالة الزمان فأُعجب بشيخه إعجاب الصادقين وجمع علمه، وشرحه، وكتبَ في سيرته فكان عمدةً في مذهبه من بعده حتّى قال أبو المعالي الجويني إمام الحرمين: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه مِنَّة إلا أبو بكر البيهقي، فإن له مِنَّة على الشافعي في نصرة مذهبه".. قال الذهبي: "أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه لكان قادرًا على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف"
وقد قعد تلامذة داود الظاهري بمذهبه كما قعد بالثوري وابن عيينه تلامذتهما، إلى أن أتى معجبٌ صادق الإعجاب بالظاهري فأحيا مذهبه بعد ما ينيف عن قرنٍ من الزمان، كان هذا المعجب ابن حزم الظاهري الأندلسي..
وأُعجب أحمد بالشافعي وكان يأخذ بخطام بغلته يقودها، فلمّا استعظم بعضُ أصحابه مشيَه بجوار البغلة، أجابه:
"لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك" وبمثل هذا التقدير صار أحمد صاحب مذهبٍ في المحدّثين..
وهكذا أحيا ابن تيمية مذهب أحمد وأحيا التيميّون ذكر ابن تيمية، وبمثل هذا أخذ سيبويه عن الخليل وأخد عن سيبويه كل نحوي جليل، وهكذا اتصل الإعجاب بالإعجاب فبقي العلم والفضل وبقيت سيرة الأفاضل، ولو شئنا تقصي الأخبار والآثار لخرجنا إلى فصل هو أليق بكتب أخلاق العلماء وآداب طلبة العلم، وأيسر من سوق القصص والشواهد أن نقول إنّه ما كُتبت سيرة عظيم فكانت وافية عظيمة إلّا لأنّها كُتبت بعين الإعجاب، وأنّه ما شُرح متن عالٍ من العلوم أو نُظم أو خُدم فجاء عاليًا إلّا بشيء من الإعجاب كثيرٍ كان أو قليل، كاملٍ أو مخصوص..
وما زلنا نرى في ميادين العلوم كيف صاغت صحبة الأساتذة الكبار أجيالًا كاملة؛ فالتلميذ الذي يُعجب بمعلمه لا يقتصر انتفاعه على المعلومة المبذولة وإنما يأخذ منه أخلاق الصناعة وطرائق المنهج..
والشأن في الآداب والفنون ليس بمعزلٍ عن هذا فكم من شاعرٍ بدأ معجبًا بنبيه مبرّز، فأخذ يحفظ شعره، ويتتبع أنفاسه، ويترسّم أحواله ثم ما يلبث أن يشق طريقه لأنّ غاية الإعجاب بالشعراء النابهين تعلّم الانفراد بالطرق والأساليب، فالإعجاب الصحيح يهيؤ الشخصية للامتياز ولا يُلغيها. ومن يتأمل مناهج النابغين يرى أنهم يجتازون بمراحل الاقتباس قبل الانفراد، وبمراحل التتلمذ قبل السبق والريادة..
وليس يقتدي من يطلب القدوة ليعبدها أو ينزّهها عن الامتثال، وإنما يقتدي الذي يطلبها ليفهم سيرتها ويقتفى أثرها في دروب النجاح.
والتقديس إن أناف عن حد الاعتدال خرج بالقدوة إلى مقام التحنيط، وإنّ بين "التقديس" الذي من هذا النوع وبين "التمثل" لفرقًا جليًا هو فرق العطالة والحياة، وفرق الراحة والجد؛ فالتقديس الزائف فعل بارد خامل يجمّد المثال في إطارٍ مذهّب أو رواق محروس، وهو إعجاب مخاتل ينزّه القدوة عن الحياة إذ ينزّهه عن الاقتداء، وأمّا التمثل فهو ينقل المثال إلى ميدان العقيدة في العمل والخلق والانضباط والصبر والخدمة والتقدير الصادق.
وفائدة الإعجاب المستقيم على حدود العدل، أنه يدفع إلى الانشراح ويكسر بلادة الأيام؛ فالإنسان الذي يرى أمامه مثالًا ممكنًا يخفّ عنه عبء الشعور بالعبث، ويجد للحياة غاية منشودة، ويستبدل بتشكيك العاجز وشكواه فضولَ العامل واجتهاده. وفائدة الإعجاب أنه يحفز على السؤال والبحث والمِران، ومن طلب أن يشبه أهل الفضل اضطر إلى أن يعرف أحوالهم. وفائدة الإعجاب للمجتمع هو أنّه يوطّن الناس على أخلاق الوفاء، ويشيع بينهم احترام الجهد، ويجعل الشاب يفهم أن المجد لا يُلتقط من قوارع الطريق، وإنما يُبنى على الكدح لبنةً لبنة..
ماشاء الله تبارك الله، ما أحسنها من مقالة وأحسن عروجها وانعطافها من نقطة لأخرى.
ردحذفذكرت قول القائل (اشوا انك مع المسلمين)