التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هندسة المثلّثات.. كيف يُنظّم الإقليم وتُبني التحالفات؟

 

 في نظرية المثلثات

الإنسان في تمثّله فردًا أو مجتمعًا أو في تمثّله في صورة الحكومات والدول تكون إرادته مدفوعةً بالغريزة البسيطة في ظروف الدفاع والهجوم وتكون مدفوعةً بها في نهجها في التواصل والعلاقات وفي تطلعات الجاه والسيادة، ومن أوّل الغرائز البسيطة التي يكون مدفوعًا بها الإنسان: غريزة السيطرة.. 

وفي علاقة الدول ببعضها تُشبع هذه الغريزة حين تأخذ سلوك الحصار والتطويق، وللحصار والتطويق مستويات وسبل وأنماط، أهمّها التطويق الجغرافي، أو الجيوسياسي.. 

 

وإذا أردنا أن نفهم كيف يكون التطويق في أبسط صورِه؛ استعنا ببعض مبادئ الأشكال والرسومات، لتقول لنا هذه المبادئ: إنّ تقييد أي فراغ في السطوح يشترط من الشكول المضلّعة إلى ثلاثة أضلاع، ولا تُحكم مساحة في السطح بأقل من ثلاثة، وقد تزيد الأضلاع عن ثلاثة، ولكنها لا تدل على إفراط السيطرة والإحكام، فإذًا: أيسر تطويق لا يكون إلّا بمثلث وقد يكون أحكم ضروب التطويق بالمثلث كذلك.. لذا تدفع الغريزة الإنسانية في تمثّلات الدولة إلى تطويق الدولة العاديَة من ثلاث جهات.. ولكن حدود الدول ليست أشكالًا متسقة، ولا خطوطًا مستقيمة، وأكثر الدول لا يقتصر جوارها على ثلاثة دول، وقد تكون الدول العادية ليست من الدول المتاخمة على الحدود، وتكاد أن تعوق هذه المشاكل إرادة الحصار! ولكن الحصار المراد في السياسة كذلك ليس هو حصار التطويق التام، وإنما حصار النقاط الثلاثة التي تمتد بينها طُرق النقل، أو خطوط الاتصال، أو تعاون المخابرات، أو غيرها من فضاءات الهيمنة والنفوذ، وأشكال التواصل والتعاون. 

إنّ المثلث يحسم ما لا تحسمه الخطوط المتوازية والخطوط المتقاطعة والخطوط المتصلة، فالمثلّث يثبت الاتجاه، ويمنع الانفلات، ويحوّل النقاط وسطه من خانة المجاورة لكل ضلع من أضلاعه إلى خانة الاحتواء. وهذه الفكرة -على بساطتها- هي من أولى مبادئ "الجيوبولتيك"، والدولة لا تحتاج إلى إغلاقٍ كامل حول خصمها كي تُقيّده، وإنما تحتاج إلى ثلاث نقاط أو ثلاثة أضلاع للضغط، فإذا اتصلت بينها خطوط الحركة والتنسيق، كانت قادرة على تعطيل المبادرة عند الخصم، أو على رفع كلفة قراره، أو تقليل خياراته. والنقاط أو الأضلاع الثلاث قد تكون دولًا، وقد تكون مضائق، وقد تكون قواعد لوجستية، وقد تكون شراكات تقنية واستخبارية؛ فالمثلّث في السياسة "بنية تأثير" تتكون من ثلاثة مفاصل إذا تماسكت، اشتد أثرها ولو كانت المسافات بينها متطاولة..

هذا إذن داعي الغريزة في الأخطار على اختلاف مصطلحاتها في علوم السياسة والأمن و"الإستراتيجيا" و "الجيوبولوتيك" وهي غريزة تحكم مبدأ العلاقات والتحالفات الدولية، ولها أشكال كثيرة وأنماط مختلفة ومستويات متدرجة من التحالف الوثيق إلى التعاون والشراكة..

 

إسرائيل ومثلثاتها..

وإذا أخذنا في تتبّع هذه الغريزة في إقليمنا وجدنا لها من السلوك المُشير إليها غناءً.. ولعل دولة الكيان الصهيوني - إسرائيل أوضح مثال على هذه الغريزة، لأنّ الغرائز أظهر ما تكون في الدول المعزولة المستشعرة لأخطارٍ تهددها في وجودها.. 

فإسرائيل منذ نشوئها تعيش بهذه الغريزة التي استجاب لها أول رئيس وزراء لها "بن غوريون" فجعلها من قيم الدفاع المعتمدة، وقد أسمت إسرائيل هذه المثلثات بـ: عقيدة المحيط - (Periphery Doctrine) أو تحالف الأطراف([1])، وهي عقيدة انتهجتها إسرائيل لتطويق العرب، وأول تطبيقها كان لتطويق العراق والشام.. فقد أنشأت إسرائيل في بدء قيامها علاقات مع تركيا وإيران القوميتين، فكانت تركيا في حكم العلمانية أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل وكانت إيران كذلك ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل.. 

وقد نمت علاقة إسرائيل مع تركيا قبل صعود حزب العدالة والتنمية حتى بلغت ذروتها في التسعينات الميلادية إذ وقعّت إسرائيل مع تركيا على معاهدات عسكرية شملت إقامة مناورات وبرامج تدريب وشملت تطويرًا للأسلحة والمعدّات، وأمّا علاقة إسرائيل بإيران فقد كانت ذروتها في عصر الشاه، ومضت بهم العلاقات إلى بيع الأسلحة وإلى التعاون في دعم تمرد الأكراد في العراق، وتعاون جهاز الموساد وجهاز الشاباك في كثير من قضايا الأمن والاستخبارات، وكانت إيران تُمد إسرائيل بالوقود في حرب الأيام الستة وكانت تصدّر نفطها إلى أوربا عبر خط أنابيب إيلات-عسقلان الذي يجعلها تتفادى العبور من مضيق قناة السويس.. وكانت إسرائيل قناة الاتصال بين هاتين الدولتين وبين الولايات المتحدة الأمريكية.. 

وقبل أن تخسر إسرائيل نقطة إيران من مثلثها في عام 1979 بعد ثورة الخميني، وقّعت على معاهدة السلام في كامب ديفيد مع مصر عام 1978 وقبل أن تخسر تركيا بعد صعود حزب العدالة والتنمية في عام 2002 كانت قد وقعت على اتفاقيات وادي عربة مع الأردن عام 1994.. 

وحين أرادت إسرائيل تطويق مصر، أقامت مثلثًا نقطته الثانية في إثيوبيا والثالثة في اليونان وقبل ذلك في تركيا.. وقد استثمرت إسرائيل الخوف في أثيوبيا المسيحية من محيطها الإسلامي، وعقدت معها شراكات في التسليح والتدريب والمخابرات، وكذلك نمت علاقة إسرائيل باليونان وكان نموّ العلاقة على قدر ضعف النفوذ المصري، وربطت إسرائيل مصالح اليونان بها واستثمرت نزاعها مع تركيا على قبرص وعلى حقول النفط والغاز، وحدود الجزر والمياه، ووقعت مع اليونان في 2009 على اتفاق تعاون عسكري.. 

وتطورت علاقة إسرائيل مع قبرص اليونانية، وهي اليوم تسلّحها وتستفيد من مطاراتها وقواعدها وراداراتها وتنقل إليها طائراتها وتؤمن بها مصالحها المنقولة..

وحين صعدت تركيا أرادت إسرائيل أن تطوّقها، وهي تسعى لإقامة مثلث نقطته الثانية في اليونان والثالثة في أذربيجان على أنّ للأخيرة علاقة وطيدة بتركيا، زاد في وثاقتها التفات تركيا للعالم التركي وإسنادها لأذربيجان في حربها الأخيرة مع أرمينيا، وحسمها للحرب بإمداد شقيقتها بطائرات بيرقدار المسيرة.. 

فقد أقامت إسرائيل علاقات ما زالت تنمو مع أذربيجان التركية، وكانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بأذربيجان بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي وهي اليوم من أهم مصدري الأسلحة إلى أذربيجان ففي بحث نشره معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام بعنوان: (نقل الأسلحة إلى مناطق النزاع: حالة ناغورنو كاراباخ - Arms transfers to conflict zones: The case of Nagorno-Karabakh)

قال الباحثون: 

"استحوذت إسرائيل على 27% من واردات أذربيجان من الأسلحة الرئيسية خلال العقد 2011-2020. وقد جرت معظم هذه الشحنات في الفترة 2016-2020، حيث بلغت حصة إسرائيل 69% من واردات أذربيجان من الأسلحة الرئيسية خلال تلك الفترة… ومن بين الأسلحة الرئيسية: الذخائر المسيرة، وطائرات الاستطلاع بدون طيار، والصواريخ الموجهة، والصواريخ الباليستية، والتي استُخدمت في حرب 2020 مع أرمينيا" ([2])

وفي أروقة السياسة، وقف اللوبي الإسرائيلي "الآيباك" في وجه اللوبي الأرمني في الولايات المتحدة وحارب مشاريعه ضد أذربيجان بعد حرب استعادة إقليم قره باغ.. 

كل هذه المواقف أثمرت فكان ثمرها أنّ النفط الأذري بقي يتدفّق إلى إسرائيل وظل يتدفّق حتّى في أحلك ظروف حرب الإبادة الوحشية على غزة وفي أشد أوقات العزلة في إسرائيل، وأثمرت هذه المواقف ورأينا ثمارها في الاختراق الاستخباراتي الذي عانت منه إيران في حرب الاثني عشر يومًا إذ عُدّت أذربيجان قاعدة استخبارات تنطلق منها عمليات الاختراق الصهيونية..

ومثلثٌ آخر يسعى الكيان الصهيوني أن يقيمه بعد أن فرغ من دول الطوق والعراق وبعد أن رأى بروز النفوذ السعودي وتنامي دور المملكة في الإقليم، وهو مثلثٌ في الكيان مرتكزه ورأسه، ونقطته الشرقية في الإمارات والغربية في أرض الصومال وإثيوبيا..

 أمّا في الصومال فقد دعم الكيان بشبكة من المصالح والأذرع كيانًا انفصاليًا في أرض الصومال، واعترف بحكومته لتكون إسرائيل الدولة الأولى والوحيدة حتّى الآن في اعترافها بصوماليلاند، لتمهّد بذلك حضورًا في مضيق باب المندب. 

وأمّا الإمارات فالأمر في شأنها أجلى من السرد والتعداد، فقد وقّعت أبو ظبي على اتفاقات أبراهام، وطبّعت مع إسرائيل ولم يكن تطبيعها تطبيع المهادنين بعد الحرب وإنما تطبيع المرتخين للارتماء، فارتمت في أحضان الصهيونيّة وأسندت مشاريعها في تقسيم الدول العربية، فموّلت الانفصال في اليمن والصومال والسودان وليبيا، وتدخلت في شؤون تونس والجزائر بما يخدم المطامع الصهيونية، وتغلغلت في مفاصل الاقتصاد المصري وكبّلت إرادته من الداخل كما كبّلت مجال الدولة المصرية بإثارة الفوضى في السودان على حدود مصر الجنوبية حيث عمق مصر الاستراتيجي وفي ليبيا على طول حدودها الغربية..

وأشد من ذلك كله: إسنادها الجلي لإسرائيل في حربها على غزة، ونحنُ نجمل هذا الحديث باقتباس ننقله عن الدكتور أحمد التويجري في مقالٍ نشره في صحيفة الجزيرة، يقول: "فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أبوظبي هي التي كانت أكبر محرِّض للكيان الصهيوني في العدوان على قطاع غزة، بل وشاركته في حربه البربرية بالتجسس على قوى المقاومة من خلال الهلال الأحمر الإماراتي، ومن خلال تزويد الصهاينة بمواقع إطلاق صواريخ المقاومة وتجمعاتها، بل وأدهى من ذلك فقد ذكرت قناة يورونيوز بتاريخ 13 يناير 2023م في موقعها الإلكتروني أن وثيقة إماراتية مسربة تاريخها الأول من أكتوبر 2023 أن القيادة الإماراتية العليا أصدرت توجيهات صريحة لتهيئة عدد من القواعد العسكرية الإماراتية لخدمة العمليات الإسرائيلية في غزة، وأشارت الوثيقة إلى عزم أبوظبي على استخدام مواقع عسكرية في اليمن وإريتريا والصومال بما في ذلك المخا وعصب وبربرة وباسا كمنصات رئيسية لتزويد إسرائيل بالعتاد والذخائر والمعلومات الاستخباراتية. وقد أكدت صحيفة جيروسالم بوست الإسرائيلية هذه الحقائق في تقرير نشرته في 13 يناير 2026م أعدته الكاتبة الإسرائيلية ماثيلدا هيلر Mathilda Heller وعنونته بعبارة: «الإمارات العربية المتحدة استخدمت قواعد عسكرية في منطقة البحر الأحمر لمساعدة إسرائيل في حربها ضد حماس» [3]



***

السعودية وتنظيم الإقليم.. 

هذه إذن مثلثات المشاريع الصهيونية. 

وإنّه إذا جاز أن تُختصر فلسفةُ القوة في عبارة، فهذه العبارة لابدّ قائلةٌ: إن الدولة التي تكتفي بحراسة حدودها لا تُدير سوى شؤون يومها، أمّا الدولة التي تُحسن بناء مثلثاتها ودوائرها فإنّها بذلك تُدير إقليمها، وتحمي وطنها القومي، ومجالها المصلحي. ومن هنا كانت فكرةُ "المثلث" في السياسة لأن المثلث في منطق الدول الناشئة هو أقل ما يكفل ترتيب الضغط، وتوزيع المساندة، وصناعة المجال الذي لا تُترك فيه المبادرة للخصم لتُحسن بذلك الدول المتحالفة تقدير الحرب وتمنعها إذا أمكن، وتربحها إن فُرضت، وتخرج منها بأقل الكلف إن طال أمدها.. 

فكيف ينبغي أن نصنع مثلثاتنا؟ أعني كيف تحمي السعودية أمنها القومي بالمثلثات التي ينبغي لها أن تكون نواة أي تحالف في المستقبل؟ 

إن هذي المثلثات في التطبيق والعمل لها درجات لا يستقيم الفهم بغير تمييزها. فثمة درجة الردع الصلب، وفيها ترتكز الأركان على الأمن والدفاع والممرات. ودرجة أخرى هي الدور الاقتصادي، وفيها يكون اتصال الموانئ بمناطق الصناعة وسلاسل الإمداد، ليكون نفوذ المال امتدادًا لنفوذ السياسة. ودرجة ثالثة هي درجة المعلومة والاتصال، وفيها التقنية والبيانات والأمن السيبراني؛ لأن السيطرة اليوم لا تقتصر على خطوط البحار والبراري والأجواء، بل لها خطوط أخرى في تردد الموجات وفي "كيابل" الإنترنت وأبراج الاتصالات وفي مدارات الأقمار الصناعية وفي خوادم التخزين والذكاء الحسابي. ودرجة رابعة: هي درجة الشرعية، ومجالها القانون الدولي والمؤسسات الإقليمية والسردية الإعلامية، لأن القوة الحديثة تُستنزف إذا عجزت عن تسويغ نفسها أمام الشركاء وأمام الأسواق..

وعلى هذا القياس، فإن سؤال السعودية لا يكون: هل نتحالف؟ وإنما: ما نوع المثلث الذي يخدم مصلحتنا في كل ملف؟ فالمملكة دولة مركز في الدين وفي الطاقة والمال والموقع، وفضاؤها يتوزع بين الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والممرات الممتدة إلى المتوسط والمحيط الهندي؛ ولهذا لا ينفعها مثلث واحد جامد، وإنما تنفعها "مصفوفة مثلثات" مرنة، لتجمع هذه المثلثات على مركزٍ هي مركزه.. 

ونكتفي في هذا المقال بإجمال فكرتنا عن الدرجة الأولى من درجات المثلثات وهي الدرجة التي أسميناها آنفًا: درجة الردع الصلب، التي ترتكز فيها الأركان على الأمن والدفاع والممرات.. 

في هذه الدرجة نرى أنّ السعودية ينفعها في ظروف الوقت مثلثان، الأول: مثلثٌ أضلاعه السعودية، وباكستان، وتركيا، والمثلث الثاني: السعودية وتركيا ومصر.. 

فالمثلث السعودي–الباكستاني–التركي، يكون مثلث احتواء للنفوذ الإيراني لضبط التمدد وتقليل فرص الاختراق ورفع كلفة الوكلاء. 

تكون السعودية فيه عمود الوجاهة والقبلة واستقرار المال والطاقة وثقل الخليج، وتكون باكستان فيه عمادًا عسكريًا وخبرةً أمنية، وموقعًا يُتيح للمثلّث مجاورةً حساسة لحدود إيران، وأمّا تركيا فضلعٌ صناعي دفاعي وموقعٌ متصل بمسارات الشمال. 

فإذا انتظم التحالف بين هذه الأضلاع واستقام التنسيق بينها في الاستخبارات، وأمن الملاحة، وحماية البنى التحتية، ومسارات الإمداد، تغيّر ميزان التأثير الذي كان يقتصر على الاستجابات المتفرقة الطارئة، ليصبح درعًا صلبًا يراكم الردع.. 

إلا أن هذا المثلث لا تقوم له قائمة إذا تُركت تناقضاته بغير إدارة؛ فلكل ضلعٍ حساباته، ولكل عاصمةٍ أولوياتها، ومن ثم فالحكمة في شأنه أن يبدأ صُعدًا من أدنى المشتركات كأمن البحر، وضبط "الميليشيات"، ومنع انهيار الدول الهشة في الجوار، ثم يتدرج بعد ذلك إلى القضايا الأعقد، فالسياسة الرشيدة لا تقفز من الخلاف إلى الحلف دفعةً واحدة، ولكنها تبني الثقة بالمهمة المحددة، ثم توسّع المهام.. 

وأما المثلث السعودي–التركي–المصري فهو لاحتواء التمدد الإسرائيلي، وهو أوسع أثرًا وأدق تركيبًا؛ لأنه يتصل ببنية الإقليم كلّها، لا بقضيّةٍ واحدة. وهو مثلثُ موازنةٍ تاريخي، السعودية فيه عمود الشرعية العربية والإسلامية والقدرة على التمويل والإسناد، ومصر ركيزةُ الحرب والديموغرافيا والجغرافيا الحاكمة من قناة السويس إلى بوابة غزة، وتركيا ركيزةُ الحركة العسكرية والصناعية، وركيزة الجغرافيا الممتدة على البحر المتوسط مما يلي الإقليم. فإذا اجتمعت هذه القوى على برنامجٍ واضح، أمكن أن يُقام وزنٌ إقليمي يمنع الانفراد بترتيب المشرق على إرادة الصهيونية، ويضع سقفًا سياسيًا لا تُصفّى تحته القضية الفلسطينية. 

وهذا المثلث، كأخيه الأول، لا يُجدي إذا بقي في مقام البيان والأماني. فلا بد له من تنسيقٍ يسمو على الشكوك والخلافات، ومشاريع ربط في التجارة تقلل الارتهان، وتكاملٍ دفاعي في الصناعات والإنذار المبكر، وموقف متماسك في المفاوضات على القضايا الكبرى. 

 

بهذا: تُلزم المثلثاتُ الخصومَ حدودًا لا تتجاوزها إلا بكلفةٍ معلومة تحسبها مرةً بعد مرة.. 

وبغير هذا: فأليق بالمثلثات أن تشتملها الزخارف البرّاقة على الأوراق والأقمشة والجدران! 

 

هوامش

[1] للاستزادة، انظر، كتاب جان سمعان: "عقيدة المحيط في السياسة الخارجية الإسرائيلية"، وكتاب باروخ أوزيل: "تحالف المحيط – سياسة مقترحة لإسرائيل" وكتاب ضابط الموساد يوسي ألفر: "المحيط: بحث إسرائيل عن حلفاء في الشرق الأوسط" 

[2] انظر: https://www.sipri.org/commentary/topical-backgrounder/2021/arms-transfers-conflict-zones-case-nagorno-karabakh

 

[3] انظر: https://www.al-jazirah.com/2026/20260122/fe3.htm#google_vignette

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...