التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في المنهج..

  

 

بين يدي كتب ومشاريع في الدراسات السياسية والاجتماعية قد بلغت عددًا تضيق به الرفوف الرحبة، وكنتُ أقرأ منها تلك التي كُتبت لتحليل واقعنا المعيش والتي كتبت للتنبؤ بواقعنا قبل عقدين أو ثلاثة، وقد تعددت مناهج هذه الكتب واختلفت مشاربها ومصادرها والجامع بينها هو أنّها كتبت بالمناهج الحداثية وأنّها قد فشلت جميعًا في تقريب الواقع ومعالجته! 

وكنتُ وأنا أقرأ أحاول أن أقتصر على مراقبة ما يتصل بصعود "الجولاني" وبالحالة الترمبية في غير بُعدها "الشعبوي"، فوجدتُ أنّ قصة صعود الجولاني هي من تلك القصص التي تُحرِج النظريات الجاهزة وتُربك طرائق القراءة التي ألفت طول العادة، لأنّها قصة لا تنقاد بسهولة لمدوّنات دارسي التحولات الاجتماعية، ولا تُسلِّم نفسها طائعةً لمحللي الانتقال الديموقراطي، ولا تستجيب على الصورة التي ألفها المتكلمون في المجتمع المدني وآلياته ووظائفه؛ فقد طلع عليهم الجولاني من جهةٍ كانت في حسبانهم مطويّة الصفحة خامدة الأثر مستهلكة المعنى، وهي جهة التراث الكامن في أعماق الجماعات قوةً باقيةً في الضمير وسلطةً خفيةً في الوجدان ومخزونًا من الرموز والتصورات والقيم، فهم قد ألفوا طرفًا من التراث أرادوه على هيئة محفوظاتٍ مدرسية وشواهدَ منصوبةً في المتاحف و بقايا من زمنٍ انقضى فلا يعود، ولم يقرأوا الثورة السورية إلّا من خلال جان جاك روسو حين كان يمهّد للثورة الفرنسية، وظلوا يستحضرون تجارب شرق أوروبا في عملية الانتقال الديموقراطي ويستلهمون المجتمع المدني كما نشأ في بولندا أواخر القرن الماضي..

 

وأزعم أنّه عند هذا المنظور نفسه يمكن أن تُفهم الحالة الترمبية في دوافعها الإنجيلية فهمًا أعمق من ذلك الفهم العارض الذي عاملها معاملة الزلّة الانتخابية أو عاملها في أحسن أحوالها معاملة العثرة في مسار التاريخ الواثق من سلامة وجهته؛ فإنّ حالة ترمب كانت خرجت من داخل التناقضات المتراكمة في النموذج الحديث نفسه، أعني من جوف الأزمة التي أصابت صورة الإنسان في الأدبيات الليبرالية حين حُصر في هيئة المستهلك والناخب وصاحب الحق الإجرائي وغيرها من الصور المتعاقبة على جسمٍ هو من "المادة" ولا غير.. 

وأزعم أننا نفهم إدارة ترمب فهمًا أحكم اتساقًا إذا استحضرنا تبشيرات الإنجيليين والصهيانة منه إذا اقتصرنا على تحليلات من يبتسرون قراءة دو توكفيل، ومن إليه.. 

ولذلك لم تكن ضمانات الديموقراطية كافيةً لحماية المشهد من الترمبية، لأنّ الضمانات "الإجرائية" مهما بلغت دقتها وإحكامها لا تصنع وحدها توازنًا في النفوس ولا تُنتج من تلقاء نفسها انسجامًا في الحضارة.. 

فصندوق الاقتراع لا يخلق ما يفرزه دفعةً واحدة بعد الترشيح، وإنما يكشف عمّا تهيّأ قبله في ميادين الرمز، وفي ميادين الاقتصاد، والإعلام، والذاكرة والوعي، وفي مناطق الشعور العميق التي لا تُرى في الأبحاث النظرية الباردة ولا تُلتقط باصطلاحات المناهج الحديثة؛ فإذا كان المجتمع قد أُصيب بالتشظي، وصارت النخبة تحسن الكلام عن الإنسانية في صيغتها المجردة وتعجز عن الإصغاء إلى الإنسان المشخّص المحسوس الذي له حدودٌ ومسارات ومخاوف ومرارات، فحينئذٍ لا يكون عجيبًا أن تنفجر السياسة من الأطراف القصيّة المستبعدة التي أحسّت طويلًا أنّها تُستعمل في الخطاب ولا تُرى في الواقع..

 

والذي يكشفه صعود الجولاني، كما تكشفه الحالة الترمبية على نحوٍ آخر، هو أنّ التاريخ لا يتحرك باصطلاحات الإجراء، وأنّ السياسة لا تستنفد كل حقيقتها في المؤسسات والنظم، لأنّ تحت هذا كله طبقةً أعمق تمسك بخيوط كثيرة من توجيه السلوك العام، وهي الطبقة المتصلة بالصورة الكلية للوجود، وبالرؤية الكونية التي يأوي إليها الناس حين تضعف ثقتهم في النماذج المادية أو حين يعجز التصوّر المعلمن عن تفسير التضحيات الكبرى والمخاوف الكبرى والانزياحات الكبرى.. 

وقد يظهر ذلك بعدُ في مجتمعٍ يستند إلى تراثٍ ديني ظاهر، ولكنّه قد يبرز كذاك البروز تمامًا في مجتمعٍ يقدّم نفسه على أنّه ذروة العقلانية الحديثة ونهاية التطور في نظريات السياسة والإدارة، لأنّ الإنسان في الحالتين معًا يضيق بالسور الذي يُبنى حوله كلما أصرّت النخب على تعريفه تعريفًا ناقصًا، ثم يعود هذا الإنسان -من حيث لم تحتسب النخب- بوجهٍ جديد واسمٍ جديد وصوتٍ جديد، ولكنّ الروح التي تحرّكه هي الروح القديمة نفسها، هي روح الكائن الذي يطلب تعريفًا يسع جوانبه كلها، فإنّه ثمة على الدوام شيءٌ يلبث تحت السطوح، هو شيءٌ لا تلتقطه لغة التقنية، ولا تسعه الجداول والرسومات، ولا تحيط به مناهج المختبر، وذلك الشيء هو الإنسان في شخصيته الكاملة بذاكرته التي لا تموت، وخياله الذي يعيد تركيب العالم، وخوفه الذي يفتش عن مأمن، وحنينه الذي يشدّه إلى أصوله، ورغبته العميقة في معنًى يتجاوز معاني المادة والتجريب..  

 

وهنا لابدّ لنا أن نقول كلمةً في هذا المنهج الشائه، الذي فشل وما زال يفشل في توقّع الأحداث.. 

فنقول إنّ القارئ في كثيرٍ من الدراسات الاجتماعية النظرية التي تملأ اليوم أروقة الجامعات وصفحات الرسائل العلمية في السياسة والتاريخ والآداب لا يكاد يجاوزها حتى يشعر أنّه كان في حرم بناءٍ محكم العبارة ولكنّه مضطرب الصلة بالحياة، وأنّه طالع كلامًا كثير العناية بنفسه وبسلامة "جهازه الاصطلاحي"، ولكنّه قليل العناية بتلك المادة الإنسانية الحية التي يزعم أنّه قد انصرف إلى تفسيرها والإحاطة بها.. فهي دراسات تريد أن تعالج الواقع من وراء حجاب من المفاهيم صفيق، وتتوهم أنّها كلما زادت في التجريد زادت في المقاربة، مع أنّها في عامة أحوالها لا تزيد الأمر إلا بعدًا وإغماضًا، حتى يخرج القارئ منها معجبًا بما فيها من إحكام الصناعة، أو من وفرة الإحالات، أو من انتظام البناء الأكاديمي، ثم لا يخرج منها بفهمٍ يرسخ في النفس، ولا بصورةٍ أصفى للموضوع الذي قرأ فيه، ولا بإحساس أنّ ما وقع عليه بصره قد كشف له من العالم شيئًا كان مستورًا..

 

إنّ لهذا العجز ولهذه الحيرة نسبًا نعلمه في تاريخ هذه الدراسات منذ أطوارها الأولى حين وقفت أمام صروح العلوم التجريبية وقفةَ المأخوذ بجلال النجاح المادي الذي حققته، فرَمقت المختبر ومناهج القياس والتجربة بعين الإكبار وأرادت أن تنقل منطقها كما هو إلى الإنسان، وأن تُخضع الكائن البشري لذلك الضبط الذي خضعت له المادة في عالم الطبيعة، وأن تستخرج من ظواهر النفس والاجتماع والسياسة ما يُستخرج من الظواهر الميكانيكية من قوانين مطّردة ونتائج قابلةٍ للتكرار والضبط والتوقع.. 

غير أنّ الإنسان لم يكن في يومٍ من الأيام كتلةً صماء من الأحوال القابلة للترويض، ولا مادةً جامدة تستجيب للقياس على نحوٍ لا يبقى معه للغموض والالتباس والحرية والذاكرة والخيال أثرٌ معتبر! ولذلك ظلت النظرية في كل طورٍ تُفاجأ بأنّ ما بدا لها متماسكًا في صيغتها الأولى يختلّ عند أول احتكاكٍ جادٍ بالحياة، وأنّ ما استقام لها في السرد لا يستقيم لها في الواقع، وأنّ ما بدا مطّردًا مروّضًا في صفحات الرسائل والأبحاث قد عاد في التجربة الإنسانية شاردًا متلوّيًا عسيرًا على الانقياد والترويض..

ثم مضت الأزمنة، وتقدمت العلوم في مساراتها المتشعبة، وانتقلت بعض المباحث المتصلة بالإنسان انتقالًا شاسعًا من الفنون التي كانت تُدرج في عداد الآداب والإنسانيات إلى ميادين أشد اتصالًا بالتجريب والملاحظة الدقيقة، كما وقع في كثيرٍ من فروع الطب، وكما وقع في طائفةٍ من أبحاث علم النفس والدماغ والإدراك، وتبدلت كذلك صورة العالم تبدلًا عظيمًا، فغادر الإنسان عصورًا إلى عصور، وخرج من مناخ الثورة الصناعية إلى مناخ الثورة التقنية، وعبر استحالات النهضة والتنوير والحداثة وما بعد الحداثة، وتغيرت أدوات المعرفة، وتوسّعت قدرته على الرصد والتحليل، وتكاثرت المناهج تكاثرًا أغرى الناظر المتعجّل بأن يطلب النجاة في الجمع بينها.. فكان من أثر ذلك كلّه أنّ الدراسات الإنسانية لم تزل تستقبل كل منهجٍ طارئ بشيءٍ من الافتتان، وتتناول كل مقاربةٍ جديدة بشيءٍ من العجلة، وتحاول أن تُوفّق بين الأصول المتنافرة والافتراضات المتباعدة والنتائج التي لم تخرج من رحمٍ المعرفة ذاته، حتى انفرط منها ذلك القدر الذي كان بقي لها من تماسك السرد في الطور الأول أي في مرحلة الصياغة الميكانيكية، وصارت الآداب والإنسانيات تستعمل مناهج مختلطة لا ينتظمها جامعٌ متين، وتستند إلى شواهد متناثرة لا تتساند في وجهةٍ واحدة، وتستكثر من الدلائل المتعارضة ثم تمضي بها وكأنّ الحشد المجرّد من المعاني والسياقات يغني عن حسن التركيب، أو كأنّ كثرة المواد تعوّض ضعف المبدأ الجامع الذي يردها إلى نظامٍ متسقٍ مفهوم، وبهذا وقع هذا الضرب من الكتابة الأكاديمية في مأزقٍ ظاهر، لأنّه لم يعد يطلب اليقين ولا يثق أدنى الثقة بمقدرته على تفسير الظواهر الإنسانية تفسيرًا كليًا، ولا هو بقي وفيًّا لصرامة النموذج القديم الذي كان يطمع في اطرادٍ يشبه اطراد قوانين الطبيعة؛ فظل معلقًا بين رغبةٍ لم تكتمل في الطريقة العلمية، وريبةٍ من السرديات الكبرى لم تنقلب إلى بديلٍ معرفي راسخ، واستعاض عن هذا التردد بلغةٍ كثيرة المصطلحات، وبحركةٍ دائمة بين المناهج، وبنوعٍ من التلفيق الذي قد يُغري بالعمق لأنه معقد وكفى، وقد يلبس ثوب التواضع المعرفي لأنه لا يدّعي الحسم، ولكنه في حقيقة أمره صورة من صور حيرة المنهج التي فقدت المبدأ الذي تنتظم به أجزاؤها، وفقدت معه المقدرة على أن تبصر الإنسان في وحدته المركبة. 

 

ولذلك فإنّ من أراد تقريب هذه الظواهر إلى الفهم، وردّها إلى سياقٍ يليق بطبيعتها، فلا غنى له عن التحرر من تلك النزعة المختزِلة التي هيمنت طويلًا على طائفةٍ من علوم الاجتماع الحديثة، وهي نزعةٌ كان أصلُ آفتها أنّها ردّت الإنسان إلى بعدٍ واحد هو بعد المادة، وعاملت السياسة على أنّها فن إدارة المصالح في مجتمعٍ منزوع الحرارة والروح، فاضطرب بناؤها النظري حين عادت الروح لتفرض نفسها من جديد، وحين نهضت الهوية من تحت ركام التهميش، وانبعثت الذاكرة بعد طول كتمان ومواراة، وأفاقت أخيلة الديانة والحضارة والثقافة والتراث في النفوس تطلب موضعها في الفهم والتأويل وتطلب موضعها في الفعل والتأثير، وتذكّر الإنسان أنّه يحمل في أعماقه أشياء لا يفرّط بها حين يفرّط بها إلّا وهو يُفرّط بشيء من نفسه، ولا يضيّعها إلّا وقد وجد في ضياعها مساسًا بجوهره لا بعرضٍ من أعراض حياته المتبدّلة.. 

 

إنّ الوهم الأكبر الذي يحكم الدراسات الاجتماعية هو وهم الاكتفاء بالرؤية الواحدة مع اختلاف الأدوات، إنّه وهم في بعض جوانبه يشبه ذلك الوهم الذي يريد به الطبيب أن يجري الجراحات بعدّة الميكانيكي أي بالمفكات والبراغي، أو وهم السبّاك الذي يريد أن يعالج تسريب الأنابيب بخيط الجرّاح وإبرته.. 

إنّه الوهم الذي يرفع الدولة في شكلها الحديث إلى مقام الحقيقة الناجزة ويطلب منها جنّة الخلد وملكًا لا يبلى، وهو الوهم الذي يرفع الديموقراطية في نموذجها الأمريكي إلى منزلة "نهاية التاريخ" كما عند فوكوياما وأضرابه، ويرفع المجتمع المدني والخطاب الحقوقي إلى رتبة المفاهيم المستغنية عن السؤال عمّن يستخدمها ولأي غايةٍ يستخدمها، فمادام أنّه قانون وأنّ العمل كان وفق القانون فلا نقاش.. 

والحق أنّ هذه كلها أدوات، شأنها شأن كل أداةٍ في التاريخ، تستمد معناها من المصدر الذي يضبط غاياتها، ومن النموذج المعرفي الذي يحدّد ما الإنسان، وما القيمة، وما المجتمع، وما العدالة، وما الصورة التي ينبغي أن يكون عليها الاجتماع السياسي، فإذا عُوملت هذه الأدوات معاملة الكيانات القائمة بنفسها المستغنية عن غيرها، لم يكن غريبًا أن تنزلق القراءة إلى مزالق الاختزال، فيغدو الإنسان وكأنه لم يكن يومًا إلّا رقمًا على قوائم الانتخاب في حالة الديموقراطية، أو كأنّه لا يصلح إلّا أن يكون وحدةً قانونية في دستور وعريضة، أو منتجًا اقتصاديًا في سوق، وعند هذا الحد من الاختزال يبدأ الواقع في فضح النظرية، لأنّ الواقع أوسع من ثيابها، وأشد التفافًا ومكرًا من أن يُستوعب في تلك الرسوم المستعجلة.

 

ثم استعرت الحرب..

فما هي خانة الدراسات السياسية والاجتماعية من دراسة الحرب؟ 

لقد ظهر عجز هذه الدراسات ظهورًا لا يملك المتابع معه كبير حيلة في التماس المعاذير، لأنها حين دهمت الحربُ الواقعَ دهمًا، وخرجت الوقائع من أطوارها الباردة التي تُكتب لها النظريات في أوقات السلم والرخاء، لم يبقَ لتلك الصناعة الأكاديمية المتضخمة من سلطانٍ يُعتدّ به، ولا بقي لها من المقال ما إذا قيل أُصغي إليه على أنّه كشفٌ حقيقي لطبيعة ما يجري؛ إذ انفضحت المسافة الواسعة بين اللغة التي راكمتها هذه الدراسات في وصف الحرب وأسبابها ونتائجها، وبين الحرب كما تقع فعلًا في التاريخ وكما تقع فعلًا على الجغرافيا..

فلما اشتد ضغط الواقع، واضطرّت هذه المؤسسات البحثية إلى ملامسة ما كانت تؤثر أن تتناوله من وراء حواجز الاصطلاح، رأينا مراكز الأبحاث نفسها تهبط درجةً من علُوِّها المتخيَّل إلى الأرض التي كانت تزعم طويلًا أنها لا تُفهَم إلا بأدواتها المستعلية أي بالجراحة "عن بعد"، وكان هذا الهبوط عندها أقرب إلى معنى التنازل منه إلى معنى الاقتراب، لأنها ألفت أن تنظر إلى الذي هو مباشر وعيني وطارئ نظر من يراه مادةً دنيا لا تليق بجلال النظر الكلي المجرّد، ولم يكن المطلوب منها أن تنزل عن العلم، وإنما أن تُحسن استعماله بحقّه وقدره وأن تُخضع أدواتها لامتحان الواقع بدل أن تُخضع الواقع كله لما استقر في أدواتها من عادات النظر وأوهام المنهج.. 

والآن أريد أن أختم كل هذا بعبارة موجزة.. ولكنّي أخشى ألا تُفهم عبارتي وأن يُتوهّم منّي الوقوع في الاختزال إذا قُلتُ إنّ المنهج الذي لا يتناول السلم وهو يستحضر الحرب منهج قاصر، ولكنّي أحسب أنّي أفل المحزّ وأصيب المفصل كما يُقال في الأمثال إذا أنا قلت: إنّ الحرب على كل الأحوال هي لحظة الحقيقة التي تُختبر فيها النظريات ويعلم بها نابه التنظير من تهويمه.. وإنّ الحرب في حقيقتها لا تنتظر حتى تكتمل الفصول، ولا تمهل الباحث حتى يسوي "جهازه المفاهيمي" كما يقولون، ولا تسير على الإيقاع الذي تحبه الجامعات والمراكز، فهي تفرض على من يريد فهمها أن يخالطها في خَبطها وأن يكون قد أعدّ العدة قبلها..

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...