قرأنا منشورًا للدكتور محمد المختار الشنقيطي يقول فيه معقبًا على ما نشرته قناة الجزيرة من جرائم إيران باستهداف المدنيين والمصالح المدنية في قطر:
"إذا كانت توجد دولة تستحق على إيران حُسن الجوار وكفَّ الأذى فهي قطر التي حرصت على مدى عقود على علاقات تعايش وتعاون مع إيران، حتى في أشد الأزمات بين إيران وجيرانها، وتحملت في سبيل ذلك الكثير من الأذى. فليس من الوفاء أن تستهدف إيران قطر."
وهو منشور أعاده الدكتور وكان قد كتبه فيما مضى تعليقًا على قصف إيران للدول التي تقابلها في الخليج العربي في أوّل ردها على أمريكا وإسرائيل في بداية الحرب..
قلنا بشيء من التصرّف في الرد على الدكتور:
إنّ جُملة "ليس من الوفاء" جملة نفي لا تثبت أمرًا وجوديًا من الذم تستحقه إيران على فعلها..
فقد يقول قائل إن استهدافها قطر "ليس من الوفاء" ويبقى أنّه من الحزم والذكاء والعقل ومما تُبيحه ضرورة الحرب!، وإذا انتفى الوفاء ثمة فلا كبير بأس.. أليس كذلك؟
نعم يجوز أن يقول قائل ذلك لأن جملة: "ليس من الوفاء" تُفسح مجالًا للعذر.. في حين أنّ فعلة إيران: غدرٌ صريح..
إنّ استهدافها قطر والسعودية ودول الخليج كان من اللؤم والطيش والحقد.. ولو لم تكن ثمّة قواعد أمريكية فإن إيران ستجد الذريعة لضرب هذه الدول لأنّها ترى فيها عدوًا لا ينبغي له أن يبقى إذا سقطت.. وأنا هنا لا أعلّق الحكم على افتراضٍ لم يكن! فقد كان من إيران أضعاف ذلك في سوريا والعراق ولبنان واليمن والدكتور يعلم، ويعلم كذلك أنّ العذر يسع الآن في الهدنة كما يسع في كل حين أنّ نلعن إيران ونلعن قبلها أو بعدها إسرائيل..
وإنّي أريد هنا أجاوز مقتضى الرد لأقول شيئًا عن الموقف من إيران في هذه الحرب، لا أحسب أن الدكتور يعارضني فيه على الجملة، ولكنّي أقوله لكثير من متابعي الدكتور ممن قد لا يميّز موقفه ويجد في بعض منشوراته ما يُتيح له الشطط والجموح..
أقول إنّه ليس لدينا إشكال في فكرة دفع الظالم القوي بالظالم الضعيف أو الظالم الغشوم بالظالم الذي لا يبلغ مقداره في الغشامة، ولكن لهذا الأمر ميدان وهو ميدان فسيح، له طرقه ووسائله، وأبعد ميدان عنه وأشأم وسيلة إليه هو أن نؤسس لفقهٍ جديد، أو لباب جديد من الفقه على نمط فقه النوازل، ونسمّيه فقه الذل نقعّد فيه القواعد التي تطبّع الناس على الحركة في أجواء الذل دون الثورة على هذا الحال كلّه، وأشأم ضروب الدفع: أن نتطلّق في المديح والافتنان ونجاوز حدود "الدفع" إلى التماهي والاندماج.
نحنُ نعي اللحظة التاريخية تمامًا ونعرف السياق الذي تشن فيه إسرائيل حربها على إيران ونعرف أنّها حرب هيمنة ونفوذ وحرب إخضاع للإقليم كلّه لا لإيران وحدها.. نعرف كل ذلك ونرى أن دفع ذلك مشروع، بل واجب، بل أوجب الوجوب، ولكن حين نرى الطريقة التي يستجيب بها كثيرٌ من العرب والمسلمين لقصف دول الجزيرة العربية، نُدرك أنّ هناك عطبًا في الوجهة واختلالًا في الميزان.. ونحنُ نرى أنّ العربي الذي "يصطف" مع إيران مثل العربي الذي يجر اللحاف بعد قوله: "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين".. نرى هذا مثل هذا عجزًا وفشلًا وسذاجة وكلال تفكير..
إنّ الذي يسوّغ لإيران قصفها للأعيان المدنيّة ومنشآت الطاقة في الدول العربية هو يعيد بغباوة وبذاكرة ضعيفة: ترديد الشعار الخائب: "طريق القدس يبدأ من القلمون"
والذي يبجّل إيران ويتغاضى عن عقيدتها ويغض عن إجرامها في قصف الجزيرة هو بوعي أو بغير وعي يصنع منها نموذجًا منزّهًا لا يضرّه ما سيفعل في الإقليم إذا خرج من الحرب منتصرًا، إنها اللحظة ذاتها التي مجّد فيها العرب انتصار حزب الله في حرب تموز 2006 وصنعوا منه نموذجًا أعياهم أن يحاكموه فيما بعد عندما ارتكب المجازر الشنعاء في الشعب السوري..
الحرب هذه حرب نفوذ، والذي يجب أن يعتقده العربي والمسلم هو أنّ المنتصر منهما إذا غادر الحرب بانتصارٍ ساحق فإنّه سيبسط نفوذه على الإقليم، وإيران تسعى لبسط نفوذها بأي طريقة، وإيران ستحارب من يحد من نفوذها ولو كان هذا الذي تحاربه يشاركها في الغاية التي تنادي بها وهي تقليص نفوذ الأمريكان في الإقليم..
يرى العروبيون والإسلاميون على السواء أنّ تركيا تعمل على هذه الغاية، ومع ذلك فقد حاربت إيران تركيا في سوريا، وتحالفت مع "الشيطان =(روسيا)" ضد الشعب السوري وضد تركيا وضد بعض دول الخليج..
وفي فلسطين: تخلّت إيران عن حماس عندما رفضت حماس أن تؤيد بشار الأسد في مجازره، وتخلّت إيران زمانًا عن حماس بعد الطوفان، وتبرأت من السابع من أكتوبر ولم تدخل الحرب حتّى أتت إليها وهددتها في وجودها.. وهنا موضع الفتنة.. وهنا موطن اللبس..
إنّ إيران تسعى لبسط نفوذها كما قلنا، ونفوذ إيران يخصم من نفوذنا عربًا ومسلمين ومنطلقها ضد منطلقنا وإن التقينا في بعض الغايات دون الغاية الكبرى..
ليس من مصلحتنا أن ينتصر النظام الإيراني انتصارًا يسمح له بالهيمنة، وليس من مصلحتنا أن يصل هذا النظام للسلاح النووي وهو بهذا الفكر المجرم، وأقصى ما نرجوه لنظامها ألّا يسمح لإسرائيل بانتصار ساحق.. وأمّا إيران إقليمًا وشعبًا فإننا نرجو له الكرامة والحياة الكريمة، فهي بعدُ جزءٌ من الأرض وجزءٌ من التاريخ وجزءٌ من الحضارة، فإيران جارة وصلاحها مرجو وزوالها متعذّر، والتوازن بعدُ مطلوبٌ في الإقليم وأمّا إسرائيل فليس لها صلاح نرجوه إلّا إذا صارت فلسطين أي إذا زالت..
إنّنا نقول كما لم نزل نقول من أن دفع ظلمٍ أعظم بظلمٍ أدنى بابٌ من أبواب السياسه له شروطه وضروراته وموازينه، ولكنّه ليس بابًا من أبواب الوجدان يُفتح على مصراعيه للمديح والإعجاب والانبهار. فإنّك قد تضطرّ إلى الاستفادة من تناقضات الدول، وقد ترى في صدام خصمين طاغيين فرصةً لتخفيف بعض الشرور، لكنّ ذلك أمر، وأن تتحوّل هذه الضرورة إلى ثقافةٍ في الوجدان والضمير تزيّن أحد الخصمين في وعي الناس هو أمرٌ ثانٍ، فالأمر الأول هو من حساب السياسة وحزمها، وأمّا الثاني فهو من خراب البصيرة وكلالها، وهو أمر يفسد على الناس رغبة النهوض والاستقلال..
هذا دفاعٌ أقوله من حديث الوجدان للناس وللتاريخ لأنّي في سعة في هذا المقال من حديث السياسة.. هو دفاعٌ عن استقلال المعيار في النفس العربية والمسلمة.. فإنّ من أفدح ما يُفسد وعي الأمم أن تُبنى مواقفها على ردود الفعل وأن تظل دومًا في خانة الانفعال دون الفعل..
وأفدح ما في خانة الانفعال هو أنّها تُربِّي الأمة على ما أسميته آنفًا فقه الذل، وهي حالة تنجر لها الأمم شيئًا فشيئا دونما وعي منها ولا إحساس، فتضيّع الأمة بذلك معيارها وتجعل لها معيارًا جديدًا يكيّفها على حالة العجز ويُظهر لها العجز الصريح في صورة "الواقعية" و "فهم السياق" و "ترتيب الأولويات" و "اصطفاف اللحظة"..
ولا يعني هذا ألّا تنتفع من الظروف وألّا تميل إلى طرف دون طرف بإطلاق، ولكنّه يعني ألا تميل ميل المستلب، ويعني أن يكون ميلك خطوةً محسوبة في طريقٍ تختاره إلى وجهة معلومةٍ..
لن تخفي علينا عروبيتك وإن سترتها بنفس أممي
ردحذف