التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغرباء: ماجد.

 

 

نشرت للقرّاء مشاهد يصوّرها "ماجد" من بلدٍ محظور على العزّاب والمتزوجين على السواء، وهو زميل بعمر الوالد، طاف الدنيا ولقي الناس، وتزوّج من كل بلد بامرأة أو امرأتين وهو يصوّر لي بعض المقاطع من بلادٍ يُغريني بالسفر إليها، يريد أن يخرّب لي بيتًا لم أعمره بعد، وقد بدأ ماجد أول مقاطعه بقوله: صباح الفل يا عبدالله، والفل عنده خطة خسف ناجزة، فصباح الفل يا ماجد والمعذرة والسلام.. 

وماجد هذا أعجوبة وهو لا يزال يفجؤك من أي ناحيةٍ نظرت إليه.. 

هو من الزملاء المعدودين، فإذا كتبتُ سيرتي يومًا فسأصدّر به فصل الزملاء أو فصل الغرباء.. فهو رجلٌ فريد لا تلقى مثله إلّا واحدًا في المليون، ويعيش المليون من بني البشر فلا يلقون مثله واحدًا في الحياة الطويلة العريضة.. 

غريبٌ هذا الرجل، ولكن غرابته في مادته لا في روحه، ولا يباريه في الغرابة إلّا غرباء الروح طيّعوا المادة وقد لقيت بعضهم وسأكتب عنهم يومًا أو لن أكتب، فإنّه يكفينا ماجد الآن..

وثب ماجد صغيرًا من أعطان الإبل في الجموم إلى قياقب كندا قبل أن يعرف السعوديّون رحلات الابتعاث ورحلات السياحة، ثم طاف بالدنيا.. 

تزوّج ماجد ولا أحد يعلم كم مرةً تزوّج.. ففي كل يوم له زوجة وبين كل زيجة وزيجة: زيجة! وإذا طلّق فلا تحسب أنّه طلّق من جفائه وغلظته أو قلّة اكتراثه، فإنه رقيق! ولا تسألني كيف هذا؟ فلهذا حديث يطول، وحسبك أن تعرف عن رقّته أنّها ليست الرقّة التي تكون بعد التقدير والحساب وإنما هي الرقّة التي لا يملك عنها معدل وطريق..

جمع ماجد بالزواج العربَ في بيته وهم لم يجتمعوا منذ قرن، بل جمع المسلمين فهو أحق بميزانية جامعة الدول العربية ورابطة العالم الإسلامي، بل والأمم المتحدة.  

ويعيش ماجد ولا أحد يعلم كيف يعيش وأين يذهب وكيف يقضي حياته ومن يُصاحب.. 

ولماجد نظرة فاحصة في وجوه الناس لا تخرج منها بطائل، ولكن له نظرة ثاقبة في صنوف الزرع والنبات وفي أجناس القطط والطيور والمواشي.. وهو شديد الإحساس بظروف الطقس وبتقلّبات الأجواء.. 

 

أعرف منه أنّه خاطب الأمراء وخاطب البطّالين وأنه دخل القصور ودخل الزنازين.. 

وأعرفُ أنّه طاف بأقاليم البلوش والبنجاب وخبر مجاهلها ومعالمها، وتزوج من تلك الأنحاء بباكستانية ثم طلقها سريعًا، وأعرف أنّه طاف ببلاد الشام وحرث أرضها حرثًا، وجال بسوريا من درعا إلى إدلب ومن اللاذقية إلى شرق الفرات.. وكنتُ حين تقدّم جُند الشام إلى حماة وحمص في كانون المجد 2024، آتيه وأسأله، وأستخبره عن الطرق والممرات والقرى والبلدات، وكان يصف لي الـ M5 ومنافذه، وحين تقدّم الثوّار إلى الرستن وصف لي الجسر ومخاطره، فكنت كأنّي أراه رأي العين.. وإذا زار ماجدٌ إقليمًا، فإنّه يصف لك زرعه وثمره وطقسه وأناسيه وصفَ من رعى الإبل زمانًا في البيداء الصافية الخالية من كل ملحظ بائن، فهو من أجل ذلك يحد النظر ويستوفي الأوصاف في أدنى الفروق.. 

عاش ماجد في سوريا، وتزوج بسوريّتين، فقلتُ له: وما ذاك؟ ألّا تنوّع؟ قال: حمصية وكُردية! قلت إيه.. نعم.. وتزوّج بمغربيتين، فقلتُ وماذاك ألا تنوّع؟ قال: عربية وأمازيغية! قلتُ إيه.. نعم..

ومن قصص زيجاته: أنّه تزوّج بواحدة خليقٌ بها أن تكون من جيل حفيداته ثم تزوج عليها بعد أسبوع بواحدة من جيل حفيداته كذلك، ومن قصصه أنه تزوّج في بلد قبل أن تطير طائرته منها بساعات.. 

يقول السمي الخولي إذا رآني ترددتُ في أمر: "ويحك! إنّ ماجدًا فكر وقدّر وقرر واطمأن وتزوج قبل رحلة العودة بساعتين! وأنت تحتار! ياحيف!" 

وعلى كثرة زيجاته وتجاربه، فإنّك لا تخرج منه برأيٍ تدل عليه الخبرة بطبيعة الأنثى ولا تخرج منه برأي تستفيده من نفس المرأة وعقلها، وإن كان لا يُخلي الشباب العزّاب المتفكّهين من خبرة عريضة في أوصاف الأناثي لحمًا وشحمًا وأوصالًا!  

دعك من كل هذا الذي لو قصصته عليك لما انقضى لك عجب، فليس أعجب العجب في قصصه ومغامراته وإنما في أحواله وصفاته وذاك حديثٌ أُرجئه للفصل المنتظر! 

ولا تحملنّك هذه الأوصاف على الإسراع في تهمة الرجل بالاستهتار في كل شؤونه، فإنه تبقى له بعد ذلك بقية من حزم وعزم، فهو صبي عقيدة! كما يقول "أبو علي" الذي لابدّ أن تعرفوه يومًا، وكلمة أبو علي كلمة جامعة يلبسها ماجد فتنطبق عليه انطباقًا، فلا تضيق عنه ولا تتسع، فهو صبي عقيدة بهذه الرابطة الشديدة التي تربط المضاف بالمضاف إليه، وهو يظل بعد ذلك صبيًا يدرج إلى الستين، صبيًا في حماسته للعقيدة وذبّه عنها دون إحكام العلم بها ودون تمحيص الرأي والحجة.. ثم إنه -أعني ماجد- رجل سليم الفطرة صحيح الوجهة وإن ضل به المسير أو استلقى في بنيّات الطريق عند مطالب المعدة وما دونها، وهو صاحب هم وصاحب قضيّة يتخوّف عليها ولا يعمل لها ولكنّه يتحرّق بها ويتحسّر عليها، وهو صحيح الإحساس بموضع أمّته من التاريخ.. 

وبعد كل هذا الذي قلته لا تحسب أنّي قرّبت لك فهم الرجل أو أنّي رسمتُ لك بعض ملامحه التي تجعلك توجّه الخيال إلى أوصافه الظاهره بعد أن خفيت عليك ملامحه الدقيقة، كلّا، فإنّي قد أخفيت عنك بعض الخصال التي لو أظهرتها لك لكنتُ قلبتُ لك كل هذا الذي توهّمه خيالُك عن الرجل، ثم إنّي إذا قلبت لك الوهم بعد استيفاء الوصف فجديرٌ بك أن تقلبه أنتَ ثانية إذا قابلت الرجل، وجديرٌ بك بعد ذلك أن تقلبَه ثالثة ورابعة وخامسة كلما طالت بك صحبته. 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...

بعد 100 مقالة، ماذا يُقال؟

  تعبت وقلت كل اللي أظنّه يا فهد ينقال ‏تعبت أبغى ألقط أنفاسي.. إذًا لا بد من وقفة! - مساعد الرشيدي، رحمه الله بلغت المقالات التي خصصتُ بها المدوّنة مئة مقالة، وهو رقمٌ يستوقف المارّ ويبعث على المراجعة.. وقد رمقتُ هذه المئة بعين الاغتمام قبل أن أنشر المقالة الأخيرة، أي حين كان عدد المنشورات تسعًا وتسعين وهذا هو منشأ القصيدة المعلّقة التي قلتُ إنّه يكتنفني شعورها منذ ما قبل العيد وما زلتُ أستدفعه، والاغتمام ناشئ من إلحاح يومٍ بعيد كنتُ أقدّر فيه أنّي لا أبلغ هذه السن إلّا وقد نشرتُ في المدوّنة وحدها ألف مقالة.  ثمّ عللتُ نفسي طويلًا بأنّ العبرة في الكيف لا في الكم وبأنّي لم أمحض المدونة بالنشر، وإنما وزّعت المقالات على المواقع والصحف والكتب والأعمال..  ومن بين التطامن الزائف والاستعلاء الموهوم والطموح الكاذب وفي غمرة هذه المحاسبة التي كنتُ أزاحمها بالحمد وتذكّر الأفضال حياءً وتقريعًا على ما انطوت عليه نفسي من الحظوظ.. انبعث شعور جارف من مكمنه الغائر البعيد، فأخذ يعلو شيئًا فشيئًا يقول لي: ليست اللوعة ثمة! ليست اللوعة ثمة! ثم أفقتُ به يتخافت شيئًا فشيئًا وهو يقول:  "إذ...