أُعلن عن هدنة..
وهنا حينٌ للنظر في الحرب..
أما النصر فما يزال من الدعاوى المتنازع عليها، فما أن هدأ السلاح حتّى تعالى دوّي سلاحٍ لا يعمل بالبارود، ولكنّه مع ذلك أشد إزعاجًا للحقيقة من انفجارات البارود.. هو سلاح الرواية التي تريد أن تتعجّل توجيه التاريخ، والتاريخ يستمهلها استمهال الدهرِ حوادث الأيام النزقة.. فكل فريق يريد أن ينسب النصر إليه، وأن يخلع عليه من معناه ما يوافق حاجته النفسية والسياسية، وفي هذا شاهدٌ على أن الحرب لم تقف بالهدنة ولن تنتهي في ميادين المعركة، فالحروب لا تنتهي حين يهدأ السلاح مادام أنّ المتحاربين لم يتفقوا على نتيجتها ولم يسلّموا بها، فالولايات المتحدة لم تنتصر على اليابان حين ألقت القنبلة وإنما كان انتصارها حين استسلمت اليابان ورضيت برواية الأمريكان، وكذا كان انتصار الحلفاء على ألمانيا في الحربين، وكذا خرجت أمريكا من أفغانستان بغير نصر حاسم، بعد احتلال كابل، لأن طالبان لم تسلّم بالنتيجة..
ولا أريد أن أدخل في اللغط اللاغط الذي يريد به كل فريق أن يؤثر على عدوّه وجمهوره على السواء، فهذا ميدان الإعلام والصحافة، وإذا نظرنا في هذا الميدان فإننا لا نحكم على المنتصر فيه إلّا بمقياس واحد هو مقياس الصوت بما يشتمله من الأغاليط والتهاويل، وليس الصوت هو مقياس النصر الوحيد إلّا إذا كان دليل الحياة الذي لا يقدر عليه الميّت المهزوم..
ومن بين هذه اللجاجة واللجب، نرهف السمع إلى صوت التعقل والحساب فماذا تقول رواية الحرب بأصوات المتنازعين المتعقلين؟
يلخص الإسرائيلي يون بن يشاي -في مقالٍ نشره في يدعوت أحرنوت- ما يدور في طبقات الصوت التي لا تظهر في الدعاية والإعلان، فينطق عن قناعة الإسرائليين إذ يقول: إنّ الإنجاز في ميدان الحرب لا يعني بالضرورة الإنجاز في أروقة التفاوض، وأنّ الإنجاز العسكري إذا لم يشفع بنصر سياسي فإنّه لا يقطف الثمار.. ويقول إسرائيليٌّ آخر في ذات الصحيفة: "إن الطرف الأهم من الجدل الذي يدور في الأوساط الإسرائيلية هو أن الأهداف الكبرى من الحرب المتعلقة بالبرنامج النووي والصواريخ الإستراتيجية لم تُنجز بعد وأنّ إسرائيل وجدت نفسها مرغمةً على قبول وقفٍ لم تصغه بكامل إرادتها"
ويقول يائير لابيد رئيس وزراء الاحتلال (2022): "لم يكن هناك كارثة سياسية كهذه في كل تاريخنا. إسرائيل لم تكن حتى بالقرب من الطاولة عندما تم اتخاذ القرارات المتعلقة بجوهر الأمن القومي لنا" ويقول: "لم يكن لإسرائيل أي تأثير على الاتفاق الذي تم توقيعه الليلة بين الولايات المتحدة وإيران. حولنا نتنياهو إلى دولة تابعة تتلقى التعليمات عبر الهاتف في قضايا تتعلق بجوهر الأمن القومي لنا"
وأمّا عن الولايات المتحدة، فالقناعة فيها هي القناعة نفسها في إسرائيل وهي القناعة التي يغيب فيها اليقين ويعلو فيها صوت الظنون.. يقول الباحث جيمس دوبك في مقال نشره بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS): "إن واشنطن أثبتت تفوقًا هائلًا في العمليات، لكنها اقتربت سريعًا من سؤالٍ أقدم من هذه الحرب، وهو: هل يتحول النجاح التكتيكي إلى مستنقع إذا غاب تعريف النهاية؟"
وأمّا عن إيران التي هي مضطرة لرفع عقيرتها بمزاعم النصر كي توازن أصوات المعتدين الذين أوجعوها، فإننا نقدّر وضعها الحق حين نستمع لوزير خارجيتها محمد جواد ظريف الذي غادر مسؤوليات الحكومة التي تلزمه بالخطاب الرسمي، فقد قال قبل الهدنة في مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy):
"ينبغي على إيران أن تكون مستعدة لقبول اتفاقية عدم اعتداء متبادلة مع الولايات المتحدة يتعهد فيها البلدان بعدم توجيه ضربات لبعضهما البعض في المستقبل، وينبغي لطهران أن تستغل تفوقها لا لمواصلة القتال بل لإعلان النصر وعقد اتفاق ينهي هذا الصراع ويمنع نشوب صراع آخر"
وبعدُ، فإننا نريد أن نخرج من تقدير المتعقّلين -كما خرجنا من لغط اللاغطين- إلى دروس نستفيدها وتأمّلات نتدبرها في شأن هذه الحرب، فإننا لم نقرأ الحرب يومًا قراءة الصحفيين ولا قراءة المتصفّحين..
***
وأول دروس هذه الحرب: هو ضرورة التوزيع في كل أمر، ونعني بالتوزيع ما يسميه السياسيون: "اللامركزية" أي توزيع الأدوار وتوزيع مراكز القرار، وكذلك توزيع الجيوش والمخازن والملاجئ والمؤسسات والبنى التحتية وكل ما من شأنه أن يشتت العدوان، فهذه فضيلة الجغرافيا الواسعة في الحروب، وأوجب ما يجب استثماره منها..
وقد وجدنا نفع ذلك للنظام الإيراني، فقد اغتيل قادة الصف الأول والثاني ومن ناب عنهم، وكان القادة يغتالون في كل يوم من أيّام الحرب، ومع ذلك فقد بقي قرار إيران جامعًا غير مشتت وبقيت إرادتها على القتال ماضيةً غير واهنة.. تقول مراسلة القسم الدولي بصحيفة "الواشنطن بوست" في مقالة لها قبل الهدنة بأيام ما ملخّصه أنّ اغتيال كبار القادة في إيران لم يُضعِف النظام كما توقّعت واشنطن وتل أبيب، بل زاده تصلبًا وعسكرةً، وأبقى الحكم بيد رجالٍ من «جيل الحرب» غير ميالين للتسوية. وأنّ "فرص الدبلوماسية تبدو ضعيفة جدًا، مع مواصلة إيران الردّ العسكري ومع استمرارها في رفع سقف مطالبها، مثل التعويضات وتعزيز نفوذها في مضيق هرمز. والنتيجة هي أن الحرب عمّقت العداء بدل أن تُنتج قيادة إيرانية أكثر عقلانية.."
هذه فائدة التوزيع في القرار، وكذلك كان الشأن مع توزيع المقدرات والأصول الحربية، فقد ضُربت إيران بحسب ما قالت القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 12 ألف ضربة في شهرٍ، وأتاح لها توزيع المنصات أن تظل قادرةً على قصف إسرائيل بعد دقائق من إعلان الهدنة..
ومن دروس هذه الحرب هو أنّها أبطلت وهمًا كبيرًا كان يقول إن الطرف الضعيف لا يكون له في منازلة القوي شأنٌ إلا إذا قاربه في العدة والعدد ووسائل البطش، مع أن التجارب المتعاقبة -وهذه الحرب منها في الصميم- تقضي بأن الضعيف الفقير لا يُطالَب في مثل هذه الحروب بموازنة خصمه القوي الغني في مقدار القوة، ولكنه محتاج إلى شيءٍ آخر أدنى من ذلك صورةً وأبعد أثرًا، وهو القدرة على إيلامه إيلامًا متصلًا منظمًا. وقد كفل العدل توزيع الألم بين الضعفاء والأغنياء، فالضعفاء أصبر على الألم من معتادي النعومة والترف، فإذا كافأوا الأغنياء في القدرة على الإيلام أغناهم ذلك عن تكافؤ القوة..
وفي هذه الحرب ارتفع مضيق البحر ليناجز طائرات الجو حتى غلب في الأثر كثيرًا من الأسراب والقواعد والألوية والكتل الحديدية؛ لأن المقياس البالغ لم يكن هذه المرة حيث الطائرات أفعل أو حيث القذائف أمضى، وإنما كان حيث يختنق الاقتصاد العالمي..
وقد رأينا في هذه الحرب كيف أنّ الدفاع الجوي يشتري للدول وقتًا ثمينًا في بداية القصف، ويخفف عنها كثيرًا من وطأة الخطر، وكيف أنّ دول الخليج قد أحسنت الاستثمار في حماية أجوائها، ولكن الدفاع الجوّي مع ذلك لا يشتري الحصانة المطلقة ولا الحصانة الدائمة. فحتى حين ارتفعت حوادث الاعتراض في الخليج إلى نسبٍ تراوحت بين الثمانين والتسعين في المئة، بقي الضرر وشيكًا ممكنًا، وظلت منشآت الطاقة في نطاق الاستهداف، وهذا معناه أن شبكة الاعتراض، مهما بلغت من الدقة فإنّها لا تُبطل أثر الهجوم الرخيص المتكرر.. والهجوم الرخيص المتكرر، إذا اقترن بالصبر وكثرة المحاولات وتنوع الوسائط، كان قادرًا على أن يفرض على نظام الدفاع موازنةً مرهقة، يظل فيها نجاح النظام نجاحًا منقوصًا من حيث إنه نجاحٌ يكلّف ثمنًا باهظًا ليستمر.. ويظل فيه الدفاع محتاجًا للهجوم الرادع ذو النفس الطويل وهو الهجوم الرخيص الكثيف أو الدفاع الرخيص الوافر، وفي حرب روسيا وأوكرانيا ما يستفاد منه في تعويض المخزون وتقليل التكلفة..
ومن دروس هذه الحرب: أن كل تفريط بالاستقلال في ميادين الاستخبارات الحديثة، هو تفريطٌ في السيادة وخصمٌ من رصيدها بقدر التفريط بالاستقلال، إذ ليس كافيًا أن يكون للدولة نصيبٌ من القوة في الاستخبارات السيبرانية، واستخبارات الإشارات، والاستخبارات الإلكترونية، والاستخبارات الوقائية، والتتبع الجوي، واستخبارات صور الأقمار الصناعية، بل الواجب عليها بعد ذلك أو قبله، أن تبلغ في هذه الميادين مبلغ الكفاية المستقلة التي تُغنيها ساعة الخطر عن الارتهان لإرادة غيرها، وأن تقرن ذلك بالكفاية والاستقلال في أنظمة الدفاع الجوي، والرادارات، ووسائل التشويش، لأن حماية الأجواء لا تُصان بالتبعية والاعتماد..
ومن دروس الحرب أنّ السلاح الفتّاك في اليوم الأول لا يؤمن عليه ألّا يكون سلاحًا هشًا بعد الشهر الأول.. ويرتد فتك السلاح إلى الهشاشة إذا كان فتكه يعتمد على كثافة الإطلاق دون أن تصحبه قدرة على تعويض المخزون.. ومن دروسها أنّ الحليف القوي لازم ولكنه ليس البديل عن الإرادة..
وعودًا على بدء نقول: إن أجدر ما يُستفاد هو فهم الجغرافيا وُحسن إدارتها، وترتيب السلاح عليها، وقد أحسنت إسرائيل فهم بيئة الأراضي المحتلة لمّا كان عرض حدودها من أقصاها إلى أقصاها لا يحتمل غزو البر، ولما علمت أن المسافة إلى تل أبيب طولًا من حدود لبنان أو سوريا لا يجاوز ثمانين ميلًا، ولما تنبأت بأن العصابات خفيفة التسليح تستطيع أن تخترقها كما فعلت حماس في ساعات الصباح الأولى من السابع من أكتربر حين تغوّلت إلى ما يقارب عشرين ميلًا.. أقول قد أحسنت فهم جغرافيا الأرض المحتلّة حين علمت أنّها لا تحتمل غزو البر، فآمنت بضرورة نقل المعارك إلى أراضي خصومها، ولمّا آمنت بذلك اختارت من الأسلحة سلاح الجو وهو السلاح الكفيل بنقل المعارك.. ولما علمت عقبات العدد والعقيدة استعانت بالتقنية لتقليل فوارق الاشتباك.. وكذلك أحسنت إيران فهم جغرافيتها، فاستثمرت في الأعماق، ولمّا علمت إيران فوارق التقنية لم تسابق في ميدان لا تضمن اللحاق فيه، فلو أنّ إيران وضعت أموالها في برامج تطوير الطائرات بدلًا من برامج تطوير الصواريخ، لكانت تظل متأخرةً عن إسرائيل لأن تقنية إسرائيل هي آخر ما توصلت له أبحاث الأوربيين والأمريكان..
ومن دروس الحرب كذلك: ضرورة الأنفاق ومن دروسها ضرورة الأنفاق ومن دروسها ضرورة الأنفاق..
ومن دروسها ضرورة التوحّد، أقولها عشرًا..
هذا.. وإذا بقي شيء من الوجوب يجب، فأولى ما يجب على العرب أن تكون لهم كلمة في إقليمهم وأن يجلسوا إلى الطاولة التي ترسم الآن شكل الإقليم، لأنّ الذي لا يجلس إلى هذه الطاولة فهو ولا شك فوق الطاولة مائدةً ينهش منها الجالسون..
وللدروس بقية نرجئها لحينها وموضعها، ونستبقي بعضها لنهاية الحرب، وأظنّ أن أهم ما ينبغي أن نتعلمه من دروس الحرب ألّا نقتصر فيما نتعلمه من الدروس الماضية على طُرق الدفاع ضد أساليب الهجوم الماضية، فأعداؤنا يتعلمون كذلك من هذه الدروس ويحسنون مراوغة من يقتصر على فهم الدروس القديمة دون ابتداع السبل واختراع الأسباب..
تعليقات
إرسال تعليق