التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرية المواعيد



كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك.. 
ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة..
وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك.. 
كُتب في بعض هذه الأوراق: 

{عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له.
ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ.. 
وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها أهلها -أو سماها الانتظار فيهم-: «قرية المواعيد» 
أسموها قرية المواعيد لأنها قرية أنفقت عمرها على أمل أن يمرّ بها قطار لم يبلغها قط، وهو أملٌ أغراهم به: ما يتذكرونه من جملة الذكريات، التي تقول لهم: إنّه قد مر بهم شيء يشبه القطار في حكايات الأجداد..
وقد كانت سكة القطار الصدئة تشق القرية من مشرقها إلى مغربها، ثم تقف فجأة عند زيتونة مفردة وحيدة لا يدرون أوقف عندها الطريق أم هي اعترضته فأوقفته، وهو على كل حال مشهد ناطق، فكأن القضبان الممتدة قد تعبت من وعدها القديم فجلست في ظل الشجرة واستراحت من تتمة الطريق.

في هذه القرية كان يمشي كل صباح رجل يحمل حقيبة مصنوعة من الجلد فارغةً إلا مما يثقل الأرواح، يضع فيها صاحبها خرائط مضت عليها أصابع الزمان وعوامل التعرية، ويضع فيها أزارير وقطع من معاطف عسكرية، وبقايا بندقية وألغام، ومصحفًا واسطوانات وأشرطة وعِلب سجائر أكلت الأرضة طرفها، وصورًا باهتة لوجوه تبتسم ابتسامة متفائلة بالغد المنظور والغد المحجوب مستهترةً بطباعهما وما قد يأتيان به من العجائب والأقدار.. 
ولم يكن أحد من أهل القرية ينادي الرجل باسمه، فقد غلبت عليه ألقابه وأوصافه كما تغلب الهزيمة على أسماء أصحابها وأجيالها.. 
يدعونه: رجل العهد الماضي، ويقولون: صاحب السكة، ويقولون: الذي يريد أن يصل القرى بعضها ببعض، وكل لقب من هذه الألقاب كان يثير فيه بعض الجراح ولكنّه كان يغتبط بها، لأنه كان يعرف أن السخرية ضربٌ من الاعتراف وأنّها على كل حال تستبقي الذاكرة فتستبقي الأمل، وأن القرية التي تضحك من حلمه إنما تحفظه بهذا الضحك من التلاشي والفناء..
رأيناه ونحن أطفالٌ صغار وكان شابًا يدرج في الأربعين، ثم كبرنا وبقي هو على هيئته الأولى، كبرنا ولم يكبر، كان حزنه هو الذي يكبر.. وكان الحزن يتسع في عينيه وفي مشيته وفي يده التي تقبض على الحقيبة كمن يقبض على قلبه إذا شكا منه علّةً أو تحسس محبوبًا فيه.. 

وكان إذا مرّ بالمدرسة القديمة المتهدّمة وقف عند الخريطة المعلقة وراء زجاج النافذة، يتأمل حدودها تأمل الخياط الذي ينظر إلى شقوق الثياب العزيزة لا يملك إصلاحها، ثم يمضي الرجل الغربب ضامًا حقيبته إلى صدره مخافة أن تتفرّق الأوراق في الريح، أو مخافة أن تطير البلاد التي في الأوراق!
أما أنا، فقد عرفته من وراء العبارة قبل أن أعرفه من غبار الدروب ورثاثة المظهر بزمان فسيح، وكنت كلما وصفته أحسست أن الوصف يمشي خلفه متأخرًا كظل يقارب صاحبه ولا يدركه؛ فإذا قلت إنه كان يخسر المعركة بعد المعركة لأنه يظل يشرح للرمح أخلاق الرحمة، رأيته عند أطراف القرية قائمًا أمام بوابة حديدية يخاطب البنادق خطاب المعلم تلاميذَه المشاغبين، ويحدّث الأسلاك الشائكة عن حق السنابل في العبور.. 
وكان إذا بلغته الجملة من جهتي التفت إلى السماء شيئًا ما، كأنه يظن أن الواصف طائر فوق الجبل أو نجمًا من وراء الغيوم، ثم يعود إلى سيره وقد ازداد خطوه تثاقلًا بالحقيبة.. 
وكان في صدره اتساع عجيب؛ وهو اتساع لا يريح صاحبه ولا يرحم من يحبه، فقد كان صدره كالملجأ الرحب، فحتّى الضياع كان يجد فيه موضعًا يؤويه، ولذلك كانت القرية إذا فقدت شيئًا حملته إلى بابه لتضع عنده مفتاحَ بيتٍ منهوب، ورايةً ممزقة من مظاهرة انفضّت قبل أن تبلغ ميدانها، وخطابًا لم يصل إلى عاصمة بعيدة ولا قريبة، وصورةَ أم تنتظر ولدها عند معبرٍ ليس للشفقة إليه سبيل، وحجرًا صغيرًا هو الذكرى الباقية من مدينة محتلة، وخريطةً ناقصة أخذت الرطوبة في قضم أطرافها.. 

كان الرجل يأخذ كل هذه الودائع في صمت مُطبق ووجوم مريب، ويُدخلها بيته، حتى صار البيت أوسع من القرية، ولكنّه مع كل هذا الاتساع ما زال يضيق عما يطلبه الحلم وتطلبه الأماني.. 
وصارت نوافذ البيت تفتح على جهات لا يثبتها الواقع ولا يصدّقها الجغرافيون، ومع ذلك فإنّه لا يقدر على إنكارها من عرف أن للحنين جغرافية أصدق من جغرافية الخرائط والأقاليم..
وقد كان الرجل كريمًا حتى مع الخيبة، فقد تلطّف في تسميتها، فهو يسمي الهزيمة: درسًا تأخر فهمه! ويزوّر للانكسار اسمًا يجاوزه كأن يقول: إنّه مفصلٌ يطلب جبيرة! ويسمي الضياع: طريقًا طال على أصحابه حتى حسبوا أنّ الطريق لا يوصل إلى الوطن وحتى حسبوا أنّ الوطن الوطن إنما هو هذا الطريق.. 
وكان أهل القرية يضحكون من لغته، لأن طول الانتظار أضجرهم فعلّمهم أن يسمّوا الأشياء بأغلظ أسمائها، أما هو فكان يخشى على الأشياء من أسمائها، لأنّه يؤمن أنّ الاسماء تتضمّن في حروفها أحكامًا وأنّها إذا سرت في الناس صاروا لا يملكون رواية التاريخ إلّا بها، هو يخشى أن تصبح الأسماء إلى أن تصير أقدارًا تُحكم القيد على الحوادث والأماكن والأجيال..

وفي كل عام عند اليوم الذي يزعم مُسنّو القرية أن أول خطاب عن الوحدة قيل فيه تحت شجرة الزيتون إيّاها، كان يخرج إلى السكة الصدئة ومعه صندوق صغير فيه أدواتٌ أكل عليها الزمان وشرب، فينحني على القضبان المفصولة كما ينحني الطبيب على عظم مكسور، ويقيس المسافة بين القرية والقرية، وبين النهر والنهر، وبين البحر والصحراء، وبين الذاكرة وما بقي منها.. وكان يعرف الطريق ويدري أين تنتهي الغاية، غير أنه كان يتباطأ في عمله كمن يخاف أن يصل إلى الحقيقة وحده.. وأشد ما كان يحنُّ إليه هو أن يرى نسخةً من نفسه لم تمر بها هزيمةٌ بعدُ، أن يرى من نفسه فتى خارجًا من نشيد الصباح والعمل، يؤمن أن خرائط الأقاليم إذا صُبغت بلون واحد صارت أمة واحدة، وأن المدن إذا اجتمعت في قصيدة، تآخت كما تآخت على وزن القصيد.
وعلى أنّه يكتب أسماء الغائبين بقلمٍ رصاص، إلّا أنّه عجز عن محوهم. 
كتب القدس، ثم محاها، فارتبك لأن المحو أبقاها وأبقى له فضيحة المحو شاهدةً عليه! وكتب غزة، فصار للرصاص في الأوراق أثر كأثر الرصاص في الأبدان؛ وكتب دمشق وبغداد والقاهرة وبيروت وصنعاء والخرطوم وطرابلس، فلم تعتّم أن انحفرت على الأوراق.. 
عند ذلك علم أن المدينة التي تسكن القلب لا تخرجها ممحاة مهما بلغت من الجد في المحو ولا يخرجها طمس الأقلام مهما جدّت الأقلام في الطمس والتشطيب، وأن الورق مهما كثر فهو أوهن من أن يطرد الأوطان وأن يحدد الحدود! 

ثم جاء مساء غريب لم تعرفه القرية في تقاويمها، إذ وقف عند طرف السكة حيث الزيتون قطارٌ بلا نوافذ، كأنما جاء من زمن لا يحب النظر ولا يريد أن يرى ولا يكثرث بما يرى، ونزل منه رجال وجوههم من زجاج، يحملون آلات لقياس الوقت، وينطقون بكلام جامد مصقول ليس فيه حرارة البشر، فقالوا له إن القرن الجديد لا ينتظر من يصلح قضبانًا عفا عليها الصدأ، وإن المدينة الحديثة لا تمر بالقرى المتعبة، وإن الخريطة لا نفع لها مع المسارات والرادارات والإحداثيات الحديثة، وإن الأوطان الكبيرة عبء على من يريد أن يلحق بالعصر.. 
سمعهم الرجل الغريب في ذلك المساء الغريب ولم يجادلهم، لأن الجدال مع الزجاج لا يورث إلا الجراح، ودخل بيته، وفتح الحقيبة الجلدية، وأخرج الخرائط بعزم وتصميم، وأخذ يخيط أطرافها بخيط أحمر، فكلما وصل مدينة بمدينة رأى انزلاق الشمس على أبراجها للغروب ورأى الرياح تشد النخيل إليها، وكلما وصل قرية بقرية ارتجفت أوراقُه واضطربت أقلامه، وكلما وصل حدًا بحد سمع اختلاط نباح الكلاب بصياح الديوك، وثغاء الغنم برغاء الإبل، وكان يتعجّل في الرسم ويتعرّق لذلك وتجيش نفسه وتتجشأ حتّى إذا أخذ منه اللهاث أقصاه، سمع من الخارج صرير الأبواب واصطكاكها إذا هي تُغلق، حتى لم يبقَ في القرية بابٌ مفتوح فخفتت أصوات الأهالي في الدور وخفت كل صوت..
كان صاحبنا يحب النهايات الواضحة، وقد كتبت حياته كلها بفواصل مُنتظرة لا تنتهي بنقاط، وكان من عادته أن يغادر قبل النهاية كي يحتفظ بحقّه في تخيلها، والخيال آخر ما يبقى للمهزوم إذا سلبوه الطريق والسلاح والشاهد.. وفي تلك الليلة صعد التل المطل على السهل، يحمل حقيبته وخيطه الأحمر، فرأيته من بعيد كأنه آخر حرف في نشيد تهدّج وانقطع، كأنه حرف لم يجد كلمة تؤويه، ولم يجد لسانًا ينطقه. 
لم يصرخ صاحبنا، ولم يترك وصية، ولم يستدع شاهدًا على الغياب، فقد كان يعلم أن الشاهد الذي لا يشهد في الحياة لا تنفع شهادته عند الوداع.. وضع الحقيبة على الأرض، وفتحها للريح، فطارت الخرائط فوق القرى طيران الطيور الجريحة، وتناثرت الأوراق فمنها ما أخذه النهر ومنها ما تعلّق بالزيتون؛ ثم مضى صاحبنا في الضباب حتى ابتلعه الجبل الذي طالما وقف شاهدًا لا يؤخذ بشهادته.
وقبل أن يغيب غيبته الأخيرة بلغته أوصافه من صوتي، كأنها أدركت صاحبها بعد طول المطاردة وكلال المسير، فوقف والتفت ولكنّه لم يلتف إلى السماء كعادته بل إلى السهل النافر، وإلى السكة التي لم تكتمل، وإلى البيت الذي امتلأ بمفاتيح لا أبواب لها، وقال بصوت هازئ خلا من نبرة الوداع:

حقيقٌ بي أن أرثي ذلك الحلم، 
في ليلةٍ يحجب بدرها تلبّد الغيوم.. 
وأنا؟ 
وأنا هازئٌ بالهموم 
وجسدي منذور للريح 
عند قصف الرعود وزخّات المطر..

ثم انسحبت عين الحكاية من وجه الجبل إلى السهل، ومن السهل إلى الخريطة الممزقة على باب المدرسة، وكانت الريح تقلب أطرافها، فتتحرك الحدود قليلًا ثم تعود إلى موضعها، كأن الحلم حاول أن يستيقظ من رقدته، فلما فتح عينيه تذكر أنه مات منذ زمن، وأن الذين كانوا ينبغي أن يشيعوه لم يعلموا بانتحاره ولم يعلموا أنّه ترك لهم[…]} 

انتهت الحكاية هنا ولا نعلم ماذا كتب صاحب الحكاية ولا ماذا ترك لهم الحلم ولا صاحب الحلم، ولستُ أعلم هل ترك لنا الكاتب الحكاية هكذا أمّ أنّ لها تكملةً لم نعثر بها، سنواصل البحث على كل حال، فليس ينبغي أن تنتهي حكاية بقيت سكتها ممدودة في التراب، وبقيت زيتونتها تسأل القضبان: أأنت التي وقفت أم أنا التي اعترضت؟ وكيف تنتهي قرية ما زالت تسمي نفسها قرية المواعيد، وقد صارت ميراثًا من ميراث الانتظار.. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...