التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2026

الكرم والكتمان

في القصيدة التي مطلعها: ‏أمن طللٍ أقوى من الحي ماثلُه تُهيّجُ أحزان الطَّروب منازلُه ‏يقول كثيّر عزّة لمحبوبته مادحًا نفسه: ‏[كريمٌ] يُميت السرَّ حتى كأنّه إذا [استخبروه] عن حديثِك جاهلُه ‏وقد يمرّ القارئ بلفظة [كريم] في صدر البيت فيَعُدّها من النعوت التي يرصفها الشعراء لتستقيم لهم الأوزان وتتهيأ لهم مقدّمات المدح، ثم يجاوزها إلى ما بعدها لأنّ ما بعدها هو الصورة المطلوبة فلا يجد مناسبةً بين الكرم وكتمان السر.. ‏ولكن كُثيّرًا -رحمه الله وسقى قبره- شاعرٌ مطبوع، والشاعر المطبوع لا يبذل صدر بيته حشوًا.. وقد كان له من الألفاظ ما هو أقرب إلى معناه وأدلّ عليه في أوّل النظر، ومنها ممّا يستقيم به الوزن: كتومٌ وحفيظٌ وأمينٌ. ‏فعدوله عن الأقرب إلى الأبعد لا يُعلَّل بضرورةٍ ولا بوزن ولا بحصر ولا بغلط، وإنما يُعلَّل بأنّ الأبعد أصدق على كل حالٍ كان المقول شعرًا أو نثرًا. ‏وكانت طرأتْ لي مناسبةُ ما بين الكرم والكتمان، ولكنّي طلبتُ الاستيثاق من الرواية، فما وجدتُ فيما بين يدي من نسخ الديوان وكتب الرواية والأدب إلّا أنّ الرواة تعاوروا الشطر الثاني فقالوا استخبروه واستبحثوه واستنطقوه، ولم يعرض...

اتفاق مكة - السياق والآفاق

عقدت السعودية وباكستان وتركيا اتفاقية مكة، وهي اتفاقية تأخرت كثيرًا ولكن كان من المتوقع من نمط السنين الأخيرة أن تتأخر أكثر من ذلك لولا الحرب، والحرب تختصر السنين وترتّب الهموم..  عُقدت إذن اتفاقية مكة، ونعرف أنّ مضمونها: التعاون والاشتراك في شؤون الحرب والدفاع.. وهو اتفاق مثلّث الأضلاع، ضلعه الشرقي نووي ثم ضلع اقتصادي ثم ضلع صناعي.. فهل يعني هذا الاتفاق ما يعنيه الحلف التام؟ وهل يعني أن تركيا وباكستان ستعلنان الحرب على إيران إذا اعتدت على السعودية أو أنّ السعودية وتركيا ستحاربان الهند في حال اعتدائها على باكستان؟  إنّ في الاتفاق من الالتزامات ما يشير إلى ذلك ويؤسس له، غير أن الدخول في حرب نظامية كاملة دونه خطوات وتعقيدات، وقبله خطوات من التنسيق والإسناد مرهونة بكل حالة على انفراد..  وتبقى هذه غاية مرجوّة، أو قد تكون كذلك، ولكنّها ما زالت تحتاج إلى مزيد من التنسيق والثقة والتعالي على الخلافات التي لم تُحسم بعد، ولكل دولة من الدول الثلاث حساباتها، وما زالت كل دولة مشدودة بحلفائها ومصالحها التي قد تتعارض في كثير من القضايا، وحتى تجيء تلك الخطوة يبقى الاتفاق ردعًا قائمًا في ...

الإنسان الأكمل النبي الأعظم

اضطرتني مسألة من مسائل الحياة التي لا تنقضي أن أراجع سيرة النبي المصطفى ﷺ، فعدتُ لها أقرأها، وعلى تكرار القراءة كانت النتيجة واحدة في كل قراءة، وهي أنّي أُفجأ بها كأني أقرؤها للمرة الثالثة أو الرابعة، أقول الثالثة والرابعة لأن المفاجأة فيهما مقبولة متوقعة لا عجب منها، أمّا القراءة الأولى فكلا قراءة!، لأن القارئ لا يكتال من كنوزها إلّا ما يسعه الورود الأول، وذلك كيل يسير! ولا تزال تستجد للناظر فيها المعاني والعبرات..  هذه السيرة تُسأل في كل بابٍ فتُجيب، ويأتيها الوارد بعد الوارد على اختلاف حاجاتهم، فلا يصدر أحدهم إلا وقد وجد طلبته ولا يُصدَرُ عنها على كثر الناهلين والعالين إلّا وهي صافية غير آسنة ولا آجنة. وقد أطلتُ النظر في سرّ تجددها على التكرار، فرأيت أنّ سرّها راجعٌ إلى أنّ هذه السيرة لم تكن سيرة رجلٍ في جانبٍ واحدٍ من جوانب الحياة، حتى تنفع من كان في مثل ذلك الجانب وتقف عمّن سواه. فإنّ العظماء من الناس يُذكرون بالواحدة من المناصب والخلال يُحسنونها، فإذا خرجتَ بالواحد منهم عن ميدانه الذي عُرف به لم تجد عنده ما تأخذ، فلا يُبتغى من القائد في ميدان المعارك حكم السياسة ولا يُطلب من ...

تقدير موقف

أيّام جديدة معادة هي الأيام المعهودة في قلب المكان، أو الشرق الأوسط، وها قد دخلنا في دورة جديدة من دورات الحرب منذ أن أعلن ترمب انتقاض الهدنة بعد أن خفّت مؤونة الترتيب لبطولة كأس العالم..   عادت الولايات المتحدة لقصف إيران وعادت إيران لقصف الخليج.. كانت إسرائيل مثّلت الجنون حين أحسّت بخطر وجودي وقصفت في كل مكان فمثلت إيران الجنون وأخذت تقصف في كل مكان.. إيران تحسّ بخطر وجودي وهذا الإحساس عندها لم ينشأ من فراغ. فقد رأت أذرعها تُفكَّك واحدةً بعد أخرى، ثم رأت ما تحقّق في السنتين الأخيرتين من استهداف بنيتها النوويّة وقيادتها السياسيّة العليا حتى قُتل مرشدها وشُيّع في مطلع يوليو..  ومتى استقرّ في عقل الدولة أنّها تقاتل عن وجودها لا عن مصلحةٍ من مصالحها، بطلت في حقّها معادلات الردع المألوفة وصارت أفعالها غير المتوقعة أفعالًا متوقعة..  ردّت طهران على حصار نفطها بإغلاق هرمز، وأقامت إغلاقها على دعوى السيادة الوطنيّة على الممرّات، بالاشتراك مع سلطنة عُمان في إدارة المضيق، وكانت قد طلبت في مذكرة التفاهم المنتقضة: فرض رسومٍ سياديّةٍ على المرور بهرمز، والرفع الكامل غير المشروط للعقوبا...