التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2026

عبروا النهر مرتين

 كنت البارحة أناقش أحد الأصحاب في شأن مباهلة خاض فيها طلبة جهل وطيش وتجنٍّ، فأخذنا النقاش إلى مسألة الأسماء والأحكام، وتحدثنا عن جرأة تنزيلها على الناس مع تباعد الزمان وتطاول القرون.. وعما لا يخلو منه التنزيل من القفز إلى القطع والمجازفة، وعن كيف تقضي بالكفر على التعيين في شأن من لا تعرف حاله ولا ما انتهى إليه أمره..  وقد خضنا في ضرورة تنزيل الأسماء للفصل وإمضاء الأحكام وحفظ المجتمع، وظللنا بعد ذلك نستصعب الأمر ونقول بضرورة ضبطه بضوابط الشرع ووقفه على العلماء والقُضاة كيلا يستشري استشراء النار ولا يذوب ذوبان الجليد..    فكنتُ وأنا أتأمّل الأمر أرسل نظري في رفوف المكتبة أمامي فوقعت عيني على كتاب للأديب حسين بافقيه، عنوانه “عبروا النهر مرتين”، فجرت أفكاري في نهر متصل لا يعرف مصبّه كيف كان منبعه ولا يعرف منبعه أين يكون استقراره.. وعنوان الكتاب فيه اقتباس معكوس لكلمة الفيلسوف هرقليطس الشهيرة حين قال إنك لن تستطيع عبور النهر نفسه مرتين، وهي فكرة صحيحة، لأن قاطع النهر لا يختلط بنفس الماء، فقاطع النهر يقطعه من مكانٍ محدد، والنهر جارٍ في هذه النقطة، والماء الذي يخا...

بلا جدوى بلا عنوان..

دخلتُ وسلّمت وانتبذت..  وضعت الحقيبة على الطاولة، وأخرجت منها عدة روايات لم أنجز منها واحدة. - قال: أراك مهتمًا بالقصة هذه الأيام.  - قلتُ إنها وعاء صدق وخير، تمكننا بالرمز ما لا نستطيعه بالتصريح..  - قال: هكذا هي أزمنة الهزيمة يكثر فيها الرمز والتعريض..  - قلتُ: لعلّك صدقت فما كنتُ لأكتب القصّة.  - قال: ألا أخبرك بما هو أدل على الهزيمة والانسحاق من الرمز والتعريض؟ لقد فزت بجائزة في القصة! تخيّل؟ إي والله فزت!  - قلتُ -ولم أكن أشك في قدرة صاحبي على الكتابة في كل لون-: لابدّ من أنها مستحقة فأنت أهلٌ لكل تكريم!  - قال: ولكنّي خيبتُ ظنّك يا صاحبي  - قلتُ: تخيّب ظنّي لو لم تفز  - قال: ولكنّي خيّبته من طريق آخر والخيبات متكاثرة السبل والطرقات، فقد كتبتُ أي شيء في أي شيء، وعذري أن غايتي نبيلة ورمزي نبيل. أرسلتُها إلى مسابقةٍ لم أكن أعرف عنها شيئًا، دلّني عليها من قال لي: اكتب أيّ شيءٍ وأرسله، فالجوائز هذه الأيام لا تريد حكاية، تريد «تجربة». هكذا قال، «تجربة»، ولم أفهم يومها ماذا يعني.  - قلتُ: ثم فهمت؟  - قال: فهمتُ حين قرأت شروطهم.. وك...

السور

  وكُتب في بعض الأوراق:  صحوتُ اليوم وفي نفسي رغبةٌ ملحّةٌ في الكتابة، وما أحسبها رغبةً في الكتابة على الحقيقة، وإنما هي رغبةٌ في التبليغ اتّخذت الكتابة سبيلا إليه بعد أن ضاقت بها السبل. أريد أن تقرأ قصتي الأجيال القادمة، ولستُ أدري لِمَ أجد في نفسي ما يشبه اليقين بأنهم سيفهمونني وأنهم يشبهونني، وقد يئستُ من أبناء جيلي الذين أمشي بينهم كل يوم فلا يسمعون. أمِن أجل أني أشتاق إلى ماضٍ ذهب، فأوجبتُ على المستقبل أن يشتاق إلى ماضيه الذي هو حاضري هذا؟ قد يكون، وفي النفس حيلٌ تُزيّن لصاحبها ما يشتهيه ثم توهمه أنه اهتدى إليه بعقله. غير أني بلغتُ من السنّ ما لا يُنفق فيه المرء بقيّته في تفتيش بواعثه، فليكن الباعث ما يكون، فإن الحكاية أصدق من صاحبها على كل حال. ولقد جرّبتُ الصوت فما بلغ. حدّثتُ القوم في مجالسهم فرأيت أعينهم تنصرف عني إلى ما في أيديهم، وناديتُ في الخلاء فما ردّ عليّ أحد، وكيف يبلغ الصوت في قريةٍ ليس فيها جدارٌ يردّه؟ إن الكلمة عندنا تخرج من الفم فتذهب في الهواء ولا تجد ما يجمعها إلى الأسماع، وقد رأيتُ ما هو أوجع من هذا فسأحدّثكم به في موضعه. فإن عجز الصوت عن التبليغ فعسى ...

قوافل العودة

  خرج عبدالسلام من الثغر محمّلًا بمآسي النزوح وآماله، معتصبًا ضغائن الثأر وترات الهزيمة يؤمّل العودة لبيته الأوّل ووطنه القديم.. وكان الموج العاصف عن جانبه يلطم الصخور.. ما أصبرها.  وكانت السماء قد أخذت تَدكُن من الناحية التي أقبل منها، فلم يبقَ بين يديه من النهار إلا بقيّةٌ منه، تلك البقيّة التي تشبه بقيّة العُمر إذ يخدع بها الإنسان نفسه فيحسبها مهلةً تكفيه، ثم تتقضّى مسرعةً وهو غافل عن تقضّيها..  كان يحمل بندقيته الموروثة على كتفه، وكان ثقلها مألوفًا في جسده كمثل ألفة الشيء الذي تعوّده حتى نسي أنه حملٌ محمول، فقد كانت لطول ما التزمها كأنها عضو من أعضائه التي خُلق بها..  وكان قد اجتاز الحدود المحروسة والقرى المهدّمة ووصل إلى أول الطريق الذي وصفه له أهله في النزوح.. وقبل أن يستحدث للمسير الثاني عزمًا ثانيًا، أطرق هُنيهةً، كما كان يصنع كلما أراد أن يُرتّب في نفسه أمر ما هو صانع. وكان أبوه -رحمه الله- يقول له: من لم يعرف كيف يرجع فليس له أن يذهب، ويقول له: إذا انقطع بك المسير ارفع رأسك واهتدِ بالنجم، فإذا غُمّ عليك فاهتدِ بالفجر الصادق، واتّبع صوت الأذان في قلبك. وكان ...