التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المصطلح المخاتل



لا يكاد يغيب عن الباحث في "واقع الأفكار والمبادئ والقيم" في عصرنا الحالي لحظ محاولات إعادة صياغة هذه المنظومة بما يتوافق مع متطلبات العصر أو كما تُسمّى "قراءة معاصرة" للقيم، كما يلحظ أيضًا تناقضات بين الطرح النظري لها والعملي، وتناقضات في  أهداف وطرق تطبيقها أيضًا مما يُشكّل انتهاك وانقلاب أبيض على المبادئ والأفكار والثوابت بدون تقديم تفسير واضح لأسباب لضعف الجدوى في مفعولها، وبلا تقديم ثوابت وقيم بديلة وناجعة عمليًا تسد الفراغ القيَمي. وبنفس الأسلوب أيضًا تتم عمليات التغيير الممنهجة والحملات التشويهيّة والاختراقات الفكريّة وتسيير العقول.

وتكمن خطورة هذا الأسلوب في خفائه وتدرّجه تدرجًا يصعب فيه التنبّه لتأثيراته اللحظية. ومن أبرز مظاهر التخفّي والتدريج في تشكيل الوعي المنقلب هو التلاعب بالمصطلحات وعدم تقديم تفسير واضح لها وتركها بلا تقييد لمعانيها، فهيَ تُعبّر عن كل شيء ولا شيء في آنٍ واحد، بالإضافة لتسترها تحت أقنعة الألفاظ البرّاقة ولكونها مطّاطيّة أيضًا مما يجعل لها قبولًا في وعي المتلقّي.
وفي كثير من الأحيان يمتد تأثير المصطلح إلى تكوين الأفكار التي تنخر المبادئ والثوابت وتعيد بلورتها وفق النظرة المعاصرة  

وللإعلام دور بارز ورئيسي في التأثير على منظومة القيم بوصفه أداةً للنقل والتشكيل في كثير من الأحيان عن طريق ضخّ هذه المصطلحات المطّاطيّة ذات الألفاظ البرّاقة في وعي المتلقين بحملات دعائية منظّمة بعد تشكيلها بما يتوافق مع أهوائه.
ولتوضيح الصورة بقدر أكبر يتحتم علينا إيراد بعض الأمثلة لتقريب القصد لمُصطلحات فكريّة تنطبق عليها السمات الماضية، فمن هذه المصطلحات العائمة ذات الألفاظ البرّاقة والتي لها معانٍ غير مُقيّدة والتي يتم استخدامها لتمرير الأفكار من خلالها: ( الحُريّة ، الوطنيّة ، الوسطيّة ، التجديد ، وحتّى الإرهاب ) وغيرها الكثير ولسنا بمقام حصرها ، ويتضح من خلال هذه الألفاظ أنّها تحمل قيمة مشاعريّة أكثر من كونها علميّة مؤطرة، مما يُتيح سهولة تمريرها، كما يُلاحظ عليها الضبابيّة مما يُكسبها قُدرة تشكليّة مطاطيّة تتكيّف على حسب الموقف والهدف والوظيفة ، فمصطلح "الإرهاب" مثلًا أصبح يُعتبر مصطلحًا فضفاضًا تتم من خلاله عمليات الضغط السياسيّة ، ومصطلح " الوطنيّة أو القوميّة " كما هو ملاحظ صار أشبه مايكون بوسيلة إقصائية تتمرر من خلالها أجندات مُعيّنة عن طريق إلقاء التُهم والاستدعاء السلطوي، وهو في نفس الوقت لا يملك معايير محددة أو واضحة بل يتشكّل حسب المواقف كما يتضح أيضًا خروجه عن المعنى القريب واتجاهه لمعانٍ وسياقات مؤدلجة حادت عن كونها مشاعريّة وغرائزيّة موجودة في كل مواطن بالفطرة إلى ما هو أشبه بتيارت فكريّة لها مبادئها الخاصة. 

ولعلّي أفند بعض هذه المصطلحات في مقالات منفردة إن شاء الله وأبيّن كيف اُستعملت للانقلاب على الثوابت والمبادئ والحقائق سواءً الدينيّة منها أو الأخلاقيّة.
وفي مقالة بعنوان "المعلومة في ميزان العقل"  أوردت بعض الحلول والطرق لكيفيّة التعامل مع هذه المصطلحات لتفادي الانجرار والانجراف لها.

تعليقات

  1. احسنت أخي عبدالله ، أصبت كبد الحقيقة فيما كتبت ، أسأل الله أن يبارك بك وبأفكارك ، حفظك الله

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...