لعب المنتخب السعودي مع أسبانيا، وسحقته أسبانيا بأربعة أهداف، ولم يشغل مرمى أسبانيا هدفٌ واحد ولا شغلته هجمة مذكورة، وليست هذه النتيجة بجديدةٍ على المنتخب في البطولات العالمية ولا في البطولات الإقليمية، ولا هي بالجديدة على غيره من المنتخبات، فقد تُهزم المنتخبات الكبرى بأكبر من هذه النتيجة، والبرازيل متسيّدة العالم في رياضة كرة القدم سُحقت بسباعيةٍ من ألمانيا في عام 2014 وهي تلعب على أراضيها وبين جماهيرها، وسُحقت أسبانيا من هولندا في البطولة نفسها بخمسة أهدافٍ بعد أن تقدّمت عليها بهدف، وقائمة المسحوقين تطول لو أردنا الحصر والتعداد..
ولكنّ الغريب الذي نلحظه في مباراة المنتخب مع أسبانيا هو الخوف والرهبة، فقد تنهزم المنتخبات بالنتائج الكبرى ويبقى لاعبوها ثابتين، وقد تنهزم المنتخبات لفشل الخطة وضياع التركيز وقلة التجانس وسوء المهارة وضعف التدريب والخبرة، وكل هذا مقبولٌ يُحتمل؛ ولكنّ المنتخب لم ينهزم لواحدٍ من هذه الأسباب، فالذي هزمه هو خوفه ورعبه.
والخوف معطّلٌ للقوى مشتّتٌ للقُدَر مضيّعٌ للمهارة، يأخذ من المرء ملكاته التي يملكها في أمنه فلا يُبقي له منها شيئًا في فزعه، حتى ترى اللاعب الماهر إذا داخله الرعب كأنه لم يحسن اللعب قطّ، وقد كان قبل ساعةٍ يحسنه في ميدان التدريب حيث لا خصم يرهبه ولا جمهور يرقبه..
وقد كنتُ أطلتُ النقاش مع بعض المهتمّين برياضة كرة القدم، ولم تزل بطولة كأس العالم المجمّعة مثارًا للنقاش حول اللغة والجغرافيا والأدب والتاريخ، ولم تزل فرصةً رحبةً للحديث عن طبائع الشعوب والأجناس وللنظر في أحوال الأمم والجماعات؛ فإن هذه الميادين التي تجتمع فيها الأمم تكشف الطبائع بسهولة المقارنة والموازنة..
وكنّا في جملة هذا النقاش نسأل عن السبب الذي من أجله لم تنهض للعرب قائمةٌ في ميادين الرياضات وفي ميدان كرة القدم على الخصوص، فدار الحديث واطّلعنا على جملةٍ من الآراء الحسنة، وأكثر بعضُنا من لوم اللاعبين، وذكر أنّ البلاد هيّأت كل ما يلزم وأعدّت لهم أرقى المرافق واستجلبت لهم نجوم العالم وأنفقت في سبيل ذلك ما أنفقت، ثم لم يكن من وراء هذا الإنفاق طائلٌ يُذكر، فمصب اللوم والتقريع إذًا هو على رؤوس اللاعبين الذين جبنوا في لقاء أسبانيا، فاصطكّت أرجلهم وبدا عليهم القلق والفرق والارتعاب..
وليس يعنيني أن أسرد هذه الحلول ولسنا نجد أنّ على المنتخب من بأس لو لم يكن في مصاف الأوائل في كرة القدم، فليس في كرة القدم دليل قاطع على مقدار أمة بين الأمم ونحنُ نجد منتخبات الولايات المتحدة والصين وروسيا دون منتخبات دول أحط منها في موازين الحضارة والثقافة، وإن كان نهوض الحضارة في المجمل يستتبع نهوض الرياضة على نحوٍ من الأنحاء..
ولكن الذي شغلني من كل هذا، هو هذا الذي شاهدناه من ارتباك اللاعبين.
ثم أخذني هذا النقاش إلى التأمّل في أحوال العرب في غير ميادين الرياضة، وقد يحسب بعض الناس أنّ ميدان الهزل واللعب أهون من أن يُحمل عليه مثل هذا النظر، ولكنّنا ما زلنا نرى في صغار الأمور دلائل على كبارها، وفي مرآة اللعب والهزل تنعكس طبائع الأمم كما تنعكس في مرآة الجدّ والعزيمة..
فوجدتُ في جملة ما وجدت أنّ الأمر منسحبٌ على أوعى الناس وأثقفهم، منسربٌ في طبقاتٍ منهم يُظنّ أنها أبعد الطبقات عن الاستلاب وأقدرها على النهود والمقارعة. وذكرتُ حال مثقّفينا وهم يُهيّئون مراسم التبجيل لمثقّفي الغرب، ويُقدّمون قرابين الطاعة والخضوع، ويستجدون نظرة الإعجاب وكلمة الاستحسان، ويرون في ثناء الغربيّ عليهم غاية ما يطمحون إليه، كأنّ قيمتهم موقوفةٌ على رضاه، وكأنهم لا يُوقنون بما عندهم حتى يُصدّقه عليهم سواهم. وذكرتُ كذلك رهبة الأكاديميّين والمهندسين -ولطالما رأيتها رأي العين- حين يلتقون بأساتذة الغرب ومهندسيهم، كيف تأخذهم الهيبة فتُعقد ألسنتهم وتضيق صدورهم، ويُصغّرون أنفسهم بين أيديهم تصغيرًا لا يقتضيه فرقٌ في العلم ولا تفاوتٌ في الكفاية، وإنما يقتضيه شيءٌ في النفس قد استقرّ فيها استقرار العقيدة المعقودة. فعلمتُ من هذا كله أن المشكلة ليست مشكلة اللاعبين وحدهم، وإنما هي مشكلةٌ منسربةٌ في روح الأمة، مندمجةٌ في عظم الثقافة العربية المرتبكة.
وموضع العجب أن هذه الرهبة لا تقوم على سببٍ معقولٍ يسوّغها في كثيرٍ من مواضعها، فإن المهندس العربيّ قد يكون في كفايته نظيرًا للمهندس الغربيّ أو فوقه، والعالم العربيّ قد يبلغ في علمه ما يبلغه نظيره أو يزيد، ثم تأخذه الهيبة بين يديه أخذًا لا يقتضيه التفاوت في القدرة، لأن مردّ الهيبة ليس إلى ميزانٍ يوزن به العلم والكفاية، وإنما هو إلى صورةٍ استقرّت في النفوس عن الغالب والمغلوب، صار بها الغربيّ في وهم المغلوب أعلى بطبعه وإن تساوت الأعمال، وصار المغلوب في وهم نفسه أدنى بطبعه وإن تماثلت القدرات. وتلك هي الهزيمة في أخصّ معانيها، أن يحكم المرء على نفسه بالدونيّة حكمًا سابقًا لا تسنده التجربة ولا يقوم عليه دليل..
وقد رأينا في تاريخ الأمم كما تقرر في مواضعه من علوم الاجتماع أن الهزيمة الحربية أو السياسية إذا طالت على قومٍ تسرّبت من ميدانها إلى نفوسهم، فأورثتهم إكبارًا لمن غلبهم واحتقارًا لما عندهم، حتى يبلغ بهم الأمر أن يزدروا تراثهم ويتنكّروا للسانهم، ويروا الكمال كله فيمن غلبهم فيُقلّدونه في صغير الأمور وكبيرها تقليد المبهور الذي فقد ثقته بنفسه. وهذا التقليد ليس ثمرة قناعةٍ بأن ما عند الغالب خيرٌ مما عندهم بعد نظرٍ وموازنة، وإنما هو ثمرة انكسارٍ في النفس جعل صاحبها يُسلّم بفضل غالبه تسليمًا لا يُراجعه، فيأخذ منه الصواب والخطأ على السواء، ويحسب أن مخالفته ضربٌ من قصور النظر. والأمة التي تبلغ هذا المبلغ من فقد الثقة بنفسها لا تنهض وإن مُلئت أيديها بأسباب النهوض، لأن النهوض في أصله ثقةٌ بالنفس وإيمانٌ بالقدرة على المقارعة، فإذا فُقد هذا الأصل لم تُغنِ الأسباب شيئًا.
وليس بناء الثقة الذي ندعو إليه ضربًا من الغرور الذي يُنكر فضل الأجناب لأنهم أجناب ويُغمض عين الناشد عن مواضع التقصير، فإن الأمة التي تغترّ بنفسها وتُنكر ما عند سواها من الخير لا تتعلّم منه ولا تلحق به، وتبقى في موضعها قانعةً بما عندها تجترّ الذكريات السالفة..
وإصلاح هذا الداء العياء هو في أن يُربّى الناشئة على الثقة بأنفسهم وأممهم والاعتزاز بتاريخهم وأمجادهم، وأن يكون للنشء قدوات وقيادات صالحة معتزة بموروثها غيّر هيّابة ولا وجلة عند لقاء نظرائها، لأنّ ما يعتري القدوات من خلجات وارتباك في المواقف الكبرى ينسرب إلى المأمومين ويتشعّب فيهم في مختلف الميادين.. ومن إصلاح الأمر أن تُنشّأ الاجيال على أن ما سواهم من أمم الحضارة بشرٌ مثلهم يُصيبون ويُخطئون، وأنّ واحدهم قد بلغ ما بلغ بأسبابٍ معلومةٍ، وأنهم قادرون على أن يبلغوا مثله إذا أخذوا بمثل أسبابه. فإذا نشأ الجيل على هذا الإيمان دخل ميادين المقارعة في الرياضة والعلم والصناعة وهو يحمل من الثقة ما يُطلق ملكاته وينمّيها، وينظر إلى من يقارعه نظرة المتساوين في الإنسانية والقدرة، فيُؤدّي ما عنده كاملًا غير منقوصٍ بخوفٍ ولا مشلولٍ برهبة. وعند ذلك تنكشف حقيقة قدرته على وجهها، فلا يُكثر على نفسه أن يَغلب ولا ييأس من نفسه إن هو غُلب وفي الحالين يكون قد خرج من أسر الهزيمة النفسية التي هي أصل كل هزيمة، ويكون قد دخل في طور من يطلب لأمّته مكانًا بين الأمم لا يستجديه استجداءً، وإنما ينتزعه انتزاعًا بالعمل والثقة والإقدام.
تعليقات
إرسال تعليق