التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقدة العقد



الطب النفسي والحرب على السواء.. 

 

الأسماء فتنة والتسمية سلطان..

وكثير من المشاعر والأحكام لا يشتد لحاظها ولا يستوفز الذهن للقضاء فيها إلّا بعد أن تُسمّى.. 

ويُخيّل لي لو أن رجلًا ملك أن يُسمّي الأشياء بما شاء من الأسماء، ثم ملك مع ذلك أن يحمل الناس على تصديق تسميته، لكان قد ملك من أمر النفوس ما هو أخطر من سلطان الملوك على الأبدان؛ فالسلطان على الأبدان مهما بلغ من الإكراه فإنّه لا ينفذ إلى  القلوب وخوافي الصدور، أما السلطان على الأسماء فيدخل إلى مَكْمَن الحكم في مستكن الضمير، فيضع للخير والشرّ حدودًا غير حدودهما المقررة، ويُنزل الفضيلة حيث كانت الرذيلة، ويرفع المذموم إلى حيث كان المحمود، والناس لا يحسّون أنهم بَدّلوا وغيّروا، لأن الذي بُدّل إنما هو المقياس الخفيّ الذي يقيسون به لا الأشياء التي يقيسونها. وهذه حيلةٌ قديمةٌ في الناس، عرفها أصحاب الدعوات ورجال السياسة، ثم وَرِثَها في عصرنا صنفٌ جديد يتحدّث بلسان العلم ويحتجب وراء اصطلاحه. 

هم أصحاب الطبّ النفسيّ على ما شاع وذاع..

 

والذي أراه أن أصحاب الطبّ النفسيّ في مناهجه الوافدة قد أصابهم في نظرهم إلى الناس ما يصيب الرجل الذي قالت الأمثال في شأنّه: 

"إذا كانت المطرقة كل ما تملك فإنّ كل ما تراه: مسمار"

فقد تعلّم متأثّروا مناهج الطب النفسي أن وراء كل سلوكٍ ولا بد! علّةً خفيّةً لا فكاك ولا مناص من استخراجها لتصح لهم الأحكام على الناس والمجتمعات، فلم تعد أعينهم تقع على خصلةٍ من خصال الإنسان إلا التمست تحتها داءً وعقدة، حتى انتهى بهم هذا المذهب إلى أن قلبوا موازين الأخلاق التي أجمع عليها الناس، فجعلوا كثيرًا من الفضائل عللًا لابد أن تُعالَج وكثيرًا من الرذائل عافيةً محمودة، ثم ردّوا كل اقتدار وعظمة ونبوغ إلى عقدة خفية كانت قد بعثت على الامتياز! وبخسوا الفضائل بتحريف بواعثها.. 


وأقرب مثالٍ على ذلك مما اطّلعنا عليه في القراءات الأخيرة في كتب التنمية المؤسسة على نظريات النفسانيين، هو حكمهم على الصفح، فإن الناس عدّوا الصفح من قديمٍ خصلةً يُحمد عليها صاحبها ويُعرف بها فضلُه بين الناس، فجاء المتأثّرون بحديث العقد؛ فسمّوه «تبرئةً للمؤذي»، وعدّوه عقدةً من عقد الإنكار وحاجزًا يحول بين المرء وبين ما يسمّونه التعافي، فصار العفو في حسابهم نقصًا يُداوى منه الصافح العافي وجنايةً يجنيها الحليم على نفسه! وكذلك صنعوا بالزهد، وهو الذي جعلته المِلَل والشرائع ذروة ما تسمو إليه النفوس حين تعلو على شهواتها، فإن أصحاب الاصطلاحات المحدثة ردّوه إلى "انخفاضٍ في تقدير المرء لنفسه"، وجعلوه أثرًا من آثار تربيةٍ قامعةٍ نشأ عليها الزاهد السامي، فأنزلوا أعلى ما تبلغه النفس في ترفّعها عن الشهوات منزلة الضعف الذي يُشفَق منه ويُشفق به على صاحبه. ثم وجدوا للكسل اسمًا يُحبّبه إلى النفوس فسمّوه «التصالح مع الوجود»، وعدّوا القعود عن معالي الأمور استقرارًا محمودًا و"سلامًا" مطلوبًا، ولو أُخذ مذهبهم على ظاهره لكان أخمل الناس همّةً أصحَّهم نفسًا، ولكان الساعي في الأرض عليلًا والقاعد فيها سليمًا. بل إنّهم جاوزوا هذا إلى أن سمّوا بعض العقوق «فطامًا» عن الوالد، وزعموا أن الأب إذا طلب من ولده برًّا فإنما يطلب أن يجبر بعطفه جرحًا في كبريائه، فصيّروا برّ الوالد علّةً في الابن تُعالَج، وجعلوا حقَّ الأب على ابنه دعوى عليلٍ يلتمس الدواء!


إنها شرعة الأنانية والدعة والاستهلاك..

ويستكثر أصحاب التحليل النفسي والطب النفسي وما يتفرع عنهما من أخصائي النفوس والتنمية البشرية يستكثر هؤلاء من إعلال الناس ويحلو لهم بعد كل حين تحديث "أدلة" التصنيف واستحداث المصطلحات، وبين يديّ الآن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) وجعلت أطالع مراجعاته المحدّثة وأقارن نسخه الجديدة بالقديمة، وأحسبُ أنّ الباحث واجدٌ فيه مادةً ثرة في كيف تتغيّر أسماء الاعتلالات وكيف تُستحدث العلل.. 

وللطبيب النفسي الأمريكي آلن فرانسيس كتاب عنوانه: (Saving normal) وعنوانه الفرعي: "Saving Normal: An Insider's Revolt against Out-of-Control Psychiatric Diagnosis, DSM-5, Big Pharma, and the Medicalization of Ordinary Life- ثورة من الداخل على فوضى التشخيص النفسي، وDSM-5، وجشع شركات الدواء، وتطبيب الحياة اليومية" 

وهو عنوان شارح لفكرة الكتاب، وقد ذهب فيه إلى أنّ الخطر الحديث في الطب النفسي هو في ضياع الحدود بين الألم المقبول والمرض، مما استتبع تكثير المرضى بالتصنيف، فشُخّصت عوارض الشعور وأحوال القلق والحزن والطيش والفشل والفرادة بأنّها عوارض اضطراب تستحق التصنيف والملاحظة والعلاج! وقد تنبّه الدكتور فرانسيس لخطورة التشخيص إذ رأى فيه تسميةً تُغيّر علاقة المشخَّص بنفسه وعلاقة غيره به، على ما قد تقتضيه هذه التسمية من علاج فائض لا يحتاج له المشخَّص، وما قد يستتبعه ذلك من مضار الأدوية ومن هدرها وسوء توزيعها وحرمان المستحق منها..


وليس إعلال الأسوياء مقتصر على تقبيح الممادح كما قدّمنا، فهو يجاوز ذلك إلى تحسين المقابح وذلك من طريقين.. 

الأوّل: هو أنّه لمّا استفاض إعلال الأسوياء وانفلت، لزم من ذلك أن يضيق المجال عمّن يستحق الإعلال في الحقيقة، فخرج بذلك المعتلّون من دائرة الاعتلال وطُبّعت اعتلالاتهم.. 

ومثال ذلك ما نجده من اضطراب الهوية الذي يحمل المرضى على أن يعتقدوا أنهم محبوسون في أجساد الحيوانات فتجد منهم من ينبح ومنهم من يعوي ومنهم من يموء، ومع ذلك فهذه الانحرافات يعدونها ضربًا من السواء ومن حرية الاختيار وأنّها حق الإنسان في تعريف نفسه.. 


والثاني: هو أنّ الطب النفسي الحديث يُرجع انحرافات السلوك وشذوذ الأخلاق والطباع إلى اضطرابات نفسية، ليحمي المنحرف من تبعات القضاء ولوم المجتمع، وبذلك تشيع هذه الانحرافات في المجتمع مشفوعةً بصكوك الغفران. وأشدُّ ما يكون هذا التحسين فتكًا حين يلبَس ثوبَ الرحمة والإنسانية، فيُقال إنَّ المجتمع هو المذنب، وإنَّ الفرد ضحية ما أحاط به من ظروف واجتماع، وتُطوى بذلك صفحة المسؤولية الشخصية طيًّا لا رجعة فيه.. 


وموضع الخطأ في هذا كله فيما نحسب أنهم يحكمون على النفوس وليس في أيديهم ميزانٌ واحدٌ يردّون إليه أحكامهم؛ فالطبيب منهم ينظر في السلوك فيقيسه على ما لقّنه إيّاه مذهبه، ومذاهبهم شتّى لا يجمعها أصلٌ مطّرد، فإذا عرضتَ الفعل الواحد على جماعةٍ منهم من مدارس مختلفةٍ خرجتَ منهم بأحكامٍ مختلفة، كلٌّ يحسب حكمه خلاصة العلم وإنما هو خلاصة مدرسته. وليس في هذا العلم يقين التجربة ولا فيه أصول للنظر ولا أحسبه إلّا دينًا من الدين ومذهبًا من جُملة المذاهب.. 

وأنت واجدٌ بين اختلاف النفسانيين وبين اختلاف الفقهاء في المسائل فرقًا بيّنًا، فإن الفقيه يردّ المسألة إلى أصلٍ معلومٍ يقيس عليه، فيُعرف من أين أتى الفقيهُ للمسألة وكيف استدلّ، أما هم فيردّون السلوك إلى أصولٍ متعارضةٍ يصدر بعضها عن مزاج صاحبها وهواه، فيجيء حكمهم أقرب إلى حكم الذوق منه إلى حكم العلم، وهي أذواق تؤثّر فيها أخص خصوصيات الاجتماع الإنساني، فلا غرابة أن تؤثر فيها الآراء والمعتقدات وظروف النشأة والتاريخ..

وقد لحظ البروفيسور توماس ساس هذا الأمر وسجّله في كتابه: (The Myth of Psychotherapy: Mental Healing as Religion, Rhetoric, and Repression - أسطورة العلاج النفسي: الشفاء النفسي بوصفه دينًا وبلاغةً وقمعًا)

فهو يحاول أن يوازن انفلات التسمية والتصنيف، ويرى أن كثيرًا من الأمراض المصنّفة إنما استُعير لها اسم المرض استعارةً من أمراض الجسد وهو لا يُنكر ما يشاهده من معاناة الناس -والرجل طبيب- ولكنّه لا يجعل العلاج النفسي في قوة العلاج العضوي فهو من أجل ذلك ليس علاجًا طبيًا إلّا إذا كان المرض النفسي ناتج عن اختلالٍ بيّن في وظائف الأعضاء، فهو يرى أنّ العلاج المادي لا يكون ناجعًا إلّا إذا صُرف في العلل الماديّة.. 

وللبروفيسور في كتابه لغة ساخرة، فقد عقد فصلًا في الحديث عن "الحركة التحليلية" أسماه: (‏Franchising the Freudian Faith - امتيازات الإيمان الفرويدي) ثم عقد فصلًا في الحديث عن غوستاف يونغ أسماه: (‏Pastor Without a Pulpit - قسّ بلا منبر) قصد فيهما أنّ العلاج النفسي ضربٌ من الخطاب الذي يحاول أن يتسلّط على خطاب الدين ويدّعي لنفسه أدوات العلم والتجربة ويدّعي لنفسه جدوى ليست للدين في حين أنّه يستعمل أدوات الدين ذاتها.. 


وأشد ما يحتجُّ به النفسانيّون على معارضيهم هو قولهم: إن لنا على أحكامنا سندًا من العلم، فقد ثبت أن أحوال النفس ترجع إلى كيمياء الدماغ وما يعرض لها من اختلال، فإذا صحّ هذا صحّ لنا أن نردّ السلوك إلى أصله المادّيّ ونعالجه كما تُعالَج علل الأبدان.. 

ومن أجل ذلك أسرفوا في تتبع عوارض الشعور وردّها لسلوك المادة وأوغلوا في قطع اتصال الإنسان بكل ماهو مجاوز للمادة وردوا أسمى ما في الإنسان إلى أدنى المشتركات مع الغرائز البهيمية..

ومن ذلك أنّهم ‏يظنّون أنهم اهتدوا إلى سر الحب الغامض حين درسوا أعصاب الدماغ ونشاط الهرمونات.. 

‏وصارت لغة الأدب التي تعبّر عن الحُب عند دارسي الأحياء وعلم النفس التجريبي وعند المتأثرين بلغة العلم والمادة_ لغةً مُتجاوَزة قضى عليها العلم! 

‏ونظر هؤلاء إلى الذين حاولوا تفسير الحب قبل ظهور الأشعة بعين الزراية والرثاء أو بنظرة التعجّب المستهترة كتلك التي ينعم بها الآباء في محاولات أطفالهم الساذجة. واحتقر هؤلاء الحبَّ لأنهم فيما يزعمون أزالوا سحره وكشفوا ستره، وصار الحب عندهم ارتفاع الدوبامين عند لقاء المحبوب ونزول الدوبامين عند فراقه! 

‏ومُشكلة الحُب عند هؤلاء هي مُشكلة الإيمان في كل عصر.. والذين أنكروا الحب هم الذين أنكروا الإيمان فيما مضى، وانتهى بهم إنكار الإيمان إلى البهيمية السافلة كما انتهى بهم إنكار الحب إلى الحيوانية الجنسية الفائضة.. 

‏وقد قال لهم العلم إنّ الدوبامين يرتفع عند لقاء المحبوب فقالوا إن الحب هو ارتفاع الدوبامين! ولكنهم لم يقولوا شيئًا عن الحب، فما زادوا على أن أتوا بعلامة من علامات الحب نضيفها في رصيد التفسير والبحث، ونضيفها إلى ملاحظات الأوائل حين جعلوا من علامات الحب هجوم السرور وانبساط الأسارير وانتشار الأريحية.. 

غير أنّ المؤمنين بالحب جعلوا له سرًا يقدّره الله.. وأنكر الماديّون كل شيء سوى المادة فأنكروا الحب في غير الدوبامين أو الغريزة، فهل قال لهم الدوبامين لماذا اختار أن يرتفع عند لقاء هذا دون لقاء غيره؟ إنهم يقولون بالصُدفة وينتهي بهم هذا إذا طردوه إلى مشكلة الملحدين في الترجيح بلا مرجح! وينتهي بهم إلى العبث المطلق والعشوائية والاختلال.. 


وهذه الدعوى التي احتجّ بها النفسانيّون الماديّون هي عينها التي نظر فيها الدكتور جيجنر هوفمان فيما كتبه في فلسفة هذه الصناعة وهو بحثٌ منشور في (موسوعة بلومزبري  - Bloomsbury في فلسفة الطب النفسي)، فبيّن أنَّ القولَ "بأن أحوال النفس ثمرةٌ لاختلاف كيمياء الدماغ"_ دعوى فلسفيّةٌ لا سند لها من العلم، وأن الذي قام عليه الدليل هو نقيضها، فإن المشاهدة دلّت على أن المحيط الذي يعيش فيه الإنسان يُغيّر دماغه، فهو يُبدّل حجمه ووزنه وتكوين خلاياه. فإذا كان ما حول الإنسان يفعل في مادّة دماغهِ هذا الفعل، لم يصحّ أن يُجعل تبدّل المادّة هو العلّة الأولى وقد رأيناه أثرًا لما هو خارجٌ عنها!

ثم احتجّوا بأن العقاقير تُعدّل كيمياء الدماغ فتستقرّ بها حال المريض، وزعموا أن في ذلك دليلًا على أن أصل العلّة اختلالٌ في تلك الكيمياء. وهذا قياسٌ فاسد، ومثاله الذي يكشف فساده ما أوردته الطبيبة جوانا مونكريف مما اعتضد به الدكتور هوفمان، إذ تقول إن الخمر تنفع صاحب القلق في مواجهة الناس، وليس ذلك لأن بالرجل نقصًا من الكحول جاء الشراب فسدّه!

فبين أن يُذهب الدواء العَرَض، وأن يكون فقدُ الدواء هو سبب العَرَض، فرقٌ لا يلتبس إلا على من سبق إلى نتيجةٍ ثم طلب لها الدليل.. 

وقد بلغ من ضعف هذا الأصل أن سمّاه الثقات من أهله: أسطورة، فنقل هوفمان عن الطبيب رونالد بايز أنّ فكرة اختلال التوازن الكيميائيّ لم تكن قطّ نظريةً جادّةً يقول بها واسعو الاطّلاع من الأطباء، وإنما هي خرافةٌ من خرافات العصر تجري على ألسنة العامّة مجرى الحقائق؛ ونقل عن بروس ليفين أن المطّلعين عرفوا من قديمٍ أن انخفاض السيروتونين ليس سبب الاكتئاب، حتى إن الجمعية الطبية الأمريكية ذكرت في دليلها أن الرابط بينهما غير واضح، إذ ثمة من المكتئبين من ترتفع عنده معدّلات السيروتونين فلا تنخفض.. 

والذي يستحقّ منّا الانتباه في حديث الدكتور هوفمان هو أنّه لم يسق حديثه اعتذارًا عن علمٍ يُرجى له أن يبلغ الغاية بعد قصور، فقد ذهب إلى أن أدوات علم الأعصاب على نفعها لا تبلغ قرار هذه المسألة، وأنها على دقّتها تبقى محتاجةً إلى الفلسفة لا تستغني عنها بحال.

وبمثل ما قال الدكتور جيجنر قال الدكتور آلن فرانسيس في كتابه الذي ذكرناه، فقد قرر أنّ الاضطرابات النفسية لا تُشخَّص في الغالب كما تُشخَّص كثير من العلل الجسدية؛ فليس لأدوات تشخيص الاضطرابات قوّة اليقين التي في أدوات تشخيص علل الأعضاء، فهي راجعة إلى تقدير الطبيب، لا إلى حكم التحليل المخبري ولا إلى قطع الأشعة المقطعية.. 


فإذا تبيّن أن الأصل الذي يردّون إليه السلوك أصلٌ يعترف بوهنه محقّقوهم، عدنا إلى النظر في عادتهم تلك، أعني عادة أن يردّوا كل خاطرةٍ وكل فعلٍ إلى عقدةٍ دفينة وعلة مستكنة! وقد طرأ لي -وأنا أتأمّل إسرافهم فيما هم فيه- أمرٌ فيه طرافة، فإن أهل المنطق وضعوا في آخر قائمة المغالطات المنطقية مغالطةً سمّوها الاحتجاج بالمغالطة أو "مغالطة استخدام المغالطة المنطقية"، وهي أن يعجز المحاور عن نقض حجة خصمه فيرميها باسمٍ من أسماء المغالطات، فيُسكته بالتسمية لا بالحجّة، ويظنّ أنه أبطل قوله، كأن يغالطك المحاور بقوله: هذه مغالطة منطقية من نوع رجل القش أو المصادرة على المطلوب أو المقامر أو الاحتكام للسلطة أو الرنجة الحمراء أو التعميم إلخ إلخ من أنواع هذه المغالطات، لكي يتسلّط على محاوره بهذه التسميات الرنّانة.. وأحسب أنّا محتاجون إلى أن نضع في آخر قائمة العقد النفسية عقدةً على هذا المثال، نسمّيها عقدة من يردّ السلوك إلى العقد، وندرج فيها أساليب هؤلاء الذين لا يرون في حركات الناس إلا عللًا تُستخرج؛ فإن من جعل العلّة جوابه عن كل سؤالٍ في النفس كان أحوج إلى الطبيب ممن يطبّبه.


وليس في هذا إنكارٌ لعلمٍ نظنّ به النفع، فللداء النفسيّ حقيقةٌ يعرفها من قاساه، وللعلاج الصادق أثرٌ يشهد به من رآه؛ وإنما هو تمييزٌ بين علمٍ يقف عند حدّه فيأخذ ما قام عليه الدليل، ومذهبٍ يجاوز حدّه فيقلّص أحوال السواء ويستكثر من أحوال الاعتلال.. 

ولسنا ننكر كذلك فشو الاعتلالات النفسية في هذا الزمن ولا ننكر أنّ لفشوّها أسبابًا ناهضة متأثّرة بالأطعمة والأشربة ونمط الحياة وانحسار اليقين ووفرة المخدرات والمسكرات وغيرها، ولكننا نجدُ من أهم هذه الأسباب هو أن الحضارة الغالبة على هذا الزمن حضارة مريضة، وقد زاد في عللها أنّها أتاحت للمعتلين اعتلاء المنابر وسلّمتهم أزمّة الأمور وفسحت لهم القول والعمل في ميادين العقل والعلم والأدب.. 

‏والمعتل يُحب أن يرى الناس معتلّين مثله، فلمّا أصبح المعتلّون يقولون قولًا يُسمع في فنون الطب العقلي والتحليل النفسي، قاموا فخلطوا السواء بالانحراف، فأدخلوا كثيرًا من السلوك السوي في اصطلاحات الاعتلال، وشخّصوا كثيرًا من المقابح والنقائص فجعلوها أمراضًا تستوجب الرأفة ويكون علاجها بالتلطّف والإفساح والمداراة والقبول، ورضوا بالشذوذ وأفسحوا له دون زجر وانتهار فكان من فشوّه ما كان مما هو مؤذنٌ بخراب العمران.. 






‏للتوسّع:

‏ 

‏ The Myth of Psychotherapy: Mental Healing as Religion, Rhetoric, and Repression - Thomas Szasz

‏كتاب في نقد العلاج النفسي حين يتحول من وظيفة الإرشادٍ الأخلاقي إلى سلطة من الطب تحتكر حق تعريف الإنسان وتطويعه.

‏ 

‏Psychology’s Sanction for Selfishness: The Error of Egoism in Theory and Therapy- Michael A. Wallach and Lise Wallach

‏ يناقش كيف أسبغت بعض نظريات العلاج رداء الأخلاق على الأنانية، حين جعلت "الحاجة" و"تحقيق الذات" مسوغًا للتخفف من الواجب والالتزام والاعتبار بحقوق الآخرين.

‏ 

‏The Triumph of the Therapeutic: Uses of Faith after Freud - Philip Rieff

‏مرجع مهم لفهم التحول البالغ من مجتمعٍ تضبطه العقيدة والواجب والقيم، إلى مجتمعٍ تضبطه لغة العلاج والبحث عن الراحة النفسية.

‏ 

‏Limits to Medicine: Medical Nemesis, the Expropriation of Health - Ivan Illich

‏لا يقتصر على الطب النفسي، فهو أصلٌ مهم في نقد "تطبيب الحياة"، أي توسع المؤسسة الطبية حتى تصير وسيطًا بين الإنسان وجسده وألمه وحياته في يومه.

‏ 

‏The Loss of Sadness: How Psychiatry Transformed Normal Sorrow into Depressive Disorder - Allan V. Horwitz and Jerome C. Wakefield

‏كتاب نافع في بيان الفرق بين سواء الحزن، واضطراب الاكتئاب.

‏ 

‏The Book of Woe: The DSM and the Unmaking of Psychiatry - Gary Greenberg

‏قراءة صحفية نقدية في كواليس صناعة DSM-5، وما صاحبها من جدل حول حدود التشخيص، وسلطة الخبراء، وعلاقة الطب النفسي بالعلم والمؤسسة.

‏ 

‏Therapy Culture: Cultivating Vulnerability in an Uncertain Age - Frank Furedi

‏يعرض كيف خرج خطاب التعافي والعلاج من العيادة إلى الثقافة العامة، وكيف صار الإنسان المعاصر يميل إلى تعريف نفسه واعتقاد أنّه كائن هش يحتاج في كل حين إلى تشخيص ووصفة.


‏The Culture of Narcissism: American Life in an Age of Diminishing Expectations - Christopher Lasch

‏يوسّع النقاش من الطب النفسي إلى الثقافة الحديثة، ويربط بين الاستهلاك، وضعف الروابط الاجتماعية، وصعود النفس المتمركزة حول ذاتها.

‏ 

‏Manufacturing Victims: What the Psychology Industry Is Doing to People - Tana Dineen

‏ نقد حاد لصناعة العلاج النفسي حين توسّع مفهوم الضحية، وتحوّلت المعاناة الإنسانية إلى سوقٍ من التشخيصات والاستشارات والبرامج العلاجية.

‏ 

‏Cracked: Why Psychiatry Is Doing More Harm Than Good - James Davies

‏كتاب معاصر في نقد المؤسسة النفسية والدوائية، يصلح لمن أراد متابعة الجدل الحديث حول الأدوية النفسية، وشركات الدواء، واتساع التشخيص.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...