التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوافل العودة

 




خرج عبدالسلام من الثغر محمّلًا بمآسي النزوح وآماله، معتصبًا ضغائن الثأر وترات الهزيمة يؤمّل العودة لبيته الأوّل ووطنه القديم.. وكان الموج العاصف عن جانبه يلطم الصخور.. ما أصبرها. 

وكانت السماء قد أخذت تَدكُن من الناحية التي أقبل منها، فلم يبقَ بين يديه من النهار إلا بقيّةٌ منه، تلك البقيّة التي تشبه بقيّة العُمر إذ يخدع بها الإنسان نفسه فيحسبها مهلةً تكفيه، ثم تتقضّى مسرعةً وهو غافل عن تقضّيها.. 

كان يحمل بندقيته الموروثة على كتفه، وكان ثقلها مألوفًا في جسده كمثل ألفة الشيء الذي تعوّده حتى نسي أنه حملٌ محمول، فقد كانت لطول ما التزمها كأنها عضو من أعضائه التي خُلق بها.. 

وكان قد اجتاز الحدود المحروسة والقرى المهدّمة ووصل إلى أول الطريق الذي وصفه له أهله في النزوح.. وقبل أن يستحدث للمسير الثاني عزمًا ثانيًا، أطرق هُنيهةً، كما كان يصنع كلما أراد أن يُرتّب في نفسه أمر ما هو صانع. وكان أبوه -رحمه الله- يقول له: من لم يعرف كيف يرجع فليس له أن يذهب، ويقول له: إذا انقطع بك المسير ارفع رأسك واهتدِ بالنجم، فإذا غُمّ عليك فاهتدِ بالفجر الصادق، واتّبع صوت الأذان في قلبك. وكان عبدالسلام يستذكر هذا القول كلما همّ بالرجوع عن طريقه، ثم يجد نفسه يعرف الطريق على الحقيقة، يعرفه في نفسه ويجد أنّه ينبعث إليه دون كلفة، فالبيت الذي يريده كان أقرب إلى أن يكون جهةً من الشعور يطمئن إليها قلبه ووجدانه..


كان يعرف الطريق.. يعرف النخلة المائلة عند الوادي، ويعرف البئر العتيقة المعطّلة وكان كلما حثّ السير رأى الصوى الموصوفة في مكانها الموصوف فيزداد بها اطمئنانًا. غير أن الليل عاجله في ذلك اليوم على غير عادته في الإسراع المعهود، كأنّ يدًا قدّمت ميقاته، وهبّت ريح عاصف من الجهة التي تُوارَى فيها العلامات لا التي تُبديها، فوقف عبدالسلام لحظةً يريد أن يرفع طرفه إلى السماء كي يشيم النجم الذي أوصاه به أبوه.


همّ أن يرفع رأسه، فسمع صوتًا من خلفه.

لم يكن الصوت عاليًا، وهذا هو أول ما لاحظه عبدالسلام حين تذكّر هذا الصوت بعد حين، وهو أن الصوت كان هادئًا هدوء من لا يحتاج إلى رفع صوته لأنه واثقٌ بأنه مسموع.. 

قال الصوت:

ـ الليل ينزل بسرعة في هذا الوادي.

التفت عبدالسلام فرأى رجلًا طويلًا عليه معطفٌ أحمر قانٍ، وفي يده مصباحٌ يلوّن ما حوله من الحجارة بلونٍ يشبه الجمر. لم يكن الرجل مخيفًا ولا مُنكرًا، وفي هذا أيضًا ما يستحقّ الانتباه، لأن الأشياء التي أحدثت في حياة عبدالسلام أثرًا بالغًا لم تكن مخيفةً ولا مُنكرة في أول طروئها..

قال عبدالسلام: نعم.

وسكت لأنه لم يكن يعرف ماذا يُضيف. وسكت الرجل أيضًا لحظةً، ثم قال وهو ينظر إلى الطريق أمامهما لا إلى عبدالسلام:

ـ أمن الثغر أنت؟

ـ نعم.

ـ إذن طريقك يمرّ من هنا. أنا أعرف هذا الوادي وأعرف غاية القادمين من الثغور.

وهنا وقف عبدالسلام لحظةً -لحظةً قصيرةً لم يدرك مآلها في ذلك الوقت- ثم قال: طريقي يمرّ بالنخلة المائلة.

فقال الرجل وهو يمشي ببطء كمن يدعوك أن تسير معه دون أن يطلب ذلك بالتصريح: 

النخلة المائلة هناك، ولكن هذا الطريق أقصر. الطريق القديم يطول بصاحبه.

وكان عبدالسلام قد وقف في حيرةٍ مبلسة بين طريقٍ سيقتفيه في الصباح وطريقٍ يعرفه رجلٌ واثقٌ في يده مصباح. وهذه الحيرة لو أنه تأمّلها يومئذٍ لعلم أنها ليست حيرة العقل بين أمرين متكافئين يزن بينهما، وإنما هي حيرة الإرادة بين ما يُريحها من عناء النظر وما يُكلّفها أن تعاوده.. 

فالتحق به، لأن الليل قد احلولك، ولأن المصباح في يد الرجل يضيء! ولأن الطريق القديم يكلّفه الانتظار ومن ذا الذي يُطيق الانتظار؟ 


ساروا ساعةً في شيء يشبه الصمت، والمصباح يتقدمهما شيئًا ما، فلا ينير إلّا مواضع الخطو ليس أبعد من ذلك. وكان الرجل يتكلم أحيانًا، ولكن كلامه كلام من يتمتم ويغمغم، هو كلام المفكّر يُسمع نفسه فلا يعبأ بإفصاح المخاطب إذا أراد أن يُسمع الناس.. يقول أشياء عن الوادي وعمّن اجتازوا به، ثم يُمسك. وكان لإمساكه بعد الكلام من الوطأة ما للكلام، كأنه يعرف أن الكلام لا يفعل فعله إلا حين يأخذ مجراه في ذهن السامعين.

قال مرّةً وهما يجتازان قلعةً خَرِبة تبدو من داخلها بيوت مهدّمة: أتدري لماذا صار هذا المكان إلى ما ترى؟


قال عبدالسلام: لماذا؟


فأمسك الرجل لحظةً ثم قال: لأن أهله كانوا يقتتلون على من يأخذ أكثر مما يُنتج، وكلٌّ منهم يحسب أن حقّه في الزيادة حقٌّ مركوزٌ في طبيعة الأشياء، كما يحسب الأسد أن حقّه في لحم فريسته حقٌّ مستحق. والأسد والإنسان في ذلك سواء، إلا أن الإنسان يطمع ويؤمّن لمستقبله ما لا تؤمّنه الأسود ويُسمّي طمعه حقًّا ويُحرّر له الوثائق والعقود.

فلم يَرُدّ عبدالسلام بشيء، غير أنه أخذ يُصغي على نحوٍ غير الذي كان.

ثم قال الرجل مشيرًا لأطلالٍ موحشة بعد أن قطعا مسافة ما: وكان هؤلاء يقتسمون الأرض بينهم قسمةً جائرةً ثم يشكون الجور. 

والعدل كما تعرف أو كما ينبغي أن تعرف -قالها بإيقاعٍ متصاعد- لا يُنال بالشكوى، وإنما يُنال بأن تُستأنف القسمة من أولها، لا يُحفل فيها بما ورثه وارثٌ ولا بما ادّعاه مُدّعٍ، وأن يأخذ كل إنسان حسب احتياجه لا حسب قدرته على الكسب.. 


وكان حقيقًا بعبدالسلام عند هذا أن يقف ويُعمل فكره، وقد وقف، غير أنه لم يُعمل فكره على ما ينبغي. لأن هذا القول من بين كل ما قاله الرجل منذ أول الرحلة كان معقولًا، ولأن الخراب الماثل أمامه كان شاهدًا على أمرٍ ما، ولأن المُتعَب الذي عاين الظلم بعينيه يميل إلى كل قولٍ يجعل رفع الظلم أمرًا ممكنًا يُقاس ويُدرك. فأخذ عبدالسلام يُصغي شيئًا فشيئًا إصغاء من يستعيد شيئًا يحسب أنه كان يعرفه، ثم وجد هذا الرجل أعرف به منه.

والحقيقة التي لم يُبصرها عبدالسلام -لأن الواقع في الأمر لا يُبصره كما يُبصره الناظر من خارجه- هي أن انجذابه إنما بدأ من موضعٍ غير موضع العقل، بدأ من الهزيمة. فقد كان قاتل وتعب وفقد من فقد من الأحباب والأصحاب، ثم بقيت الحال على ما هي عليه أو على شرٍّ منها. والمتعب المنهك في مثل هذه الحال إذا رأى دليلًا يحمل مصباحًا ويتكلّم في ثقةٍ عن الطريق المنجي من الوادي الخرَب، فلا يفزع به وهمه إلى أنّ الخطر عليه في الرجل ولا فيما يقول، وإنما يفزع إلى أنّ الخطر في تلك الرغبة الدفينة في أن يكون ثَمّ طريقٌ آخر غير طريق الدليل، وهي رغبةٌ أقوى من الحذر، وأقوى من التعب بأضعاف أضعافه.. وكذا الجائع يشتمُّ رائحة الخبز حيث لا خبز، فيتبع الرائحة وهو موقنٌ بصدقها لأن جوعه يريدها صادقة، حتى إذا بلغ موضعها لم يَلْقَ إلا هواءً اشتهاه فتخيّله طعامًا.


قال عبدالسلام بعد صمتٍ طويل: 

على ما أذكر، الطريق يمرّ بالوادي الذي فيه النخلة المائلة.


فقال الرجل، وفي صوته شيءٌ يُشبه تبرّم الصابر بمن لم يفهم بعدُ: تلك علامات الطريق القديم!، والطريق القديم لم يبلغ بأحدٍ غايته. انظر حولك، أوصل أحدٌ قطّ من طريق النخلة المائلة؟

فأجال عبدالسلام بصره فإذا الوادي مظلمٌ قفر والطرق فيه مطموسة، فلم يُحر جوابًا، لأن الجواب كان يستدعي منه أن يرى الصورة على تمامها، وهو لا يرى في تلك الساعة إلا ما يُنيره المصباح. 

والمصباح في يد غيره يُريه موضع قدميه ويحجب عنه ما وراءهما، فيظل يسير حيث يسير حامل المصباح لا حيث يريد هو أن يسير..

ومضت ساعةٌ أخرى، وساعة بعدها، وساعة تتلوهما وبدت غبشة الفجر، وقد تبدّلت الأرض تحت قدميه وهو لا يشعر، وخفت الأذان الذي طالما هداه إلى القبلة حتى صار كصدى شيءٍ سمعه في زمنٍ بعيد. 

وكان يُدرك ذلك بطرفٍ خفيٍّ من ذهنه، ولكنه لا يُثبته في صدره، كما يُدرك المرء أنه على خطأٍ في أمرٍ ثم يسعى في ألّا يُدرك ذلك تمام الإدراك، لأن الإدراك التامّ يُلزمه بما لا يريد أن يلتزمه.

ثم على غفلةٍ -وهذه الغفلات في حياة الإنسان ليست غفلاتٍ على الحقيقة، وإنما هي فعل المراكمة إذ تتجمّع الأحداث من حيث لا تُرى ثم تظهر دَفعةً في لحظةٍ واحدة- وجد عبدالسلام أنه لا يدري أين هو، وأن الرجل بين يديه ما زال يمشي مشية العارف، وأن بيته قد صار في ناحيةٍ عجز أن يُعيّنها. فلم يقف ولم يسأل، لأن السؤال في تلك اللحظة كان يعني الإقرار بأن ما قطعه من الطريق قد ذهب في غير وجهته، وهذا ضربٌ من الإقرار يثقل بمقدار ما مضى من الطريق.


ثم انتهى بهما السير إلى ميدانٍ تقوم على أطرافه أعمدةٌ وتماثيل لا تيجان لها، وفي وسطه رجلٌ عريض الصدر، في يمناه قلمٌ وفي يسراه دفترٌ مفتوح، فنظر إلى عبدالسلام نظرة التاجر يُقلّب البضاعة في عينيه قبل أن يُبدي فيها رأيًا.

وسلّم صاحب المصباح على الرجل العريض الصدر، وتحدّثا قليلاً بمعزلٍ عنه، وعبدالسلام يرى أن الحديث يجري على نحوٍ يُشعره أنه موضوع الكلام دون أن يكون طرفًا فيه. ثم أقبل عليه العريض الصدر فجلس على حجرٍ قريب، وقال بنبرةٍ دافئةٍ كنبرة من يريد أن يُقنعه قبل أن يسأله حاجته:


ـ يبدو أنك متعب.

ـ نعم.

ـ وتريد البيت.

ـ نعم.

ـ وهذا الطريق لم يُبلغك إيّاه.

فصمت عبدالسلام، لأن في الكلمة الثالثة شيئًا يُشبه ما كان يُديره في نفسه ولا يُفصح به.

قال الرجل وهو يُقلّب أوراق دفتره: أنا أعرف طرقًا كثيرة، وقد علّمتني التجربة أن المرء لا يبلغ بيته حتى يفهم أن البيت ليس شيئًا يُورَث وإنما هو شيءٌ يُبنى، وما يُبنى يحتاج إلى مواد، والمواد لها ثمن، والثمن يُؤدّيه من يعمل، فمن عمل أخذ ومن قعد حُرم. وليس في هذا قسوة، وإنما هي طبيعة الأشياء.. هي طبيعة الأشياء!

وكان الكلام في هذه المرّة على غير ما كان، فلم يكن في صاحب الدفتر حرارة صاحب المصباح والمعطف الأحمر ولم يكن لقوله رنّة الشِعار ووقع الخطاب، ولم يجد فيه براعة الأول في أن يُري الفكرة واسعةً سعة الأفق، وإنما كان كلامه كلام المُحاسب يشرح رقمًا من الأرقام دون اكتراث. على أن لهذه الطريقة قوّتها كذلك في نفس عبدالسلام، لأن المرء إذا أعياه الكلام الواسع مال أحيانًا إلى الكلام الضيق الدقيق وحسِبَهُ أصدق. والرجل إذا خذله الوعد الفسيح مرّةً عاد يطلب ما يُحصى بالعدد ويُقبَض باليد، فيركن إلى الرقم المكتوب في الدفتر لأنه يراه فلا يظنّه يكذب، وما درى أن الكذب يُكتب ويُرقم كما يُقال ويُنشد.. 


قال عبدالسلام: وأيّ صلةٍ لهذا بطريق البيت؟

قال الرجل وهو يكتب في دفتره شيئًا: البيت الذي تريده يحتاج إلى أرض، والأرض لها ثمن، والثمن يُؤدّى ممّا تملك، فماذا تملك؟


فنظر عبدالسلام إلى بندقيّته نظرة المشفق المتعب وقال: هذه.

فكتبها الرجل في دفتره ثم قال: تكفي للبداية، تعال.

فمشى معه، لأن الرجل الذي سأله عمّا يملك قد قذف في وهمه أنّه يملك من المال ما يذلل له مراده، وكان هذا الشعور اللذيذ قد فارقه منذ زمن بعيد.


فدخلا دروبًا مُضاءةً بواجهاتٍ مُزخرفة، فرأى عبدالسلام رجالًا يبيعون المرايا لمن أضاع وجهه، ورأى قومًا يجرّون صناديق ضخام تُجهدهم وتُعييهم ويرتلون أهازيج النشاط ولا يشكون حملها لأنهم لم يعرفوا عيشًا غير هذا العيش. وكان كلما جاع ناوله الرجل رغيفًا وأثبته في الدفتر، وكلما عطش سقاه ماءً وأثبته في الدفتر، حتى مُلئ الدفتر وعبدالسلام لا يُحصي ما فيه. ثم وافاه يومٌ ألفى فيه بندقيته مرهونةً ولا يذكر متى وقّع على رهنها، وألفى معطفه على منكب الرجل وخاتمه في يد الرجل لا في يده، والمذكّرة التي كان يُثبت فيها أسماء من يعرف من الشهداء مرهونةٌ كذلك لقاء شيءٍ لا يذكر ما هو.


فوقف بين يدي الرجل وقال: أريد طريق البيت!

فقال الرجل في هدوءٍ مستهتر: البيت سلعةٌ كسائر السلع، ومن عجز عن شرائه عليه أن يحلم باستئجاره، وليس هذا ظلمًا، وإنما هي طبيعة الأشياء! قالها بالصوت نفسه الذي افتتح به درب الغواية والإغراء!


فأحسّ عبدالسلام في تلك اللحظة بشيءٍ في صدره يُشبه المُضغة الخانقة، لم يكن غضبًا ولا حزنًا خالصًا وإنما كان ذلك الإحساس الذي ينزل بالمرء حين يفهم أنه كان يحسب نفسه سائرًا نحو شيءٍ وهو عنه مُبتعد، إنّه الإحساس الذي يعقب إدراك أن الخطوات التي عدّها كسبًا كانت هي الخسارة عين الخسارة.


ثم وافاه رجلٌ ثالث، وقد بلغ التعب بعبدالسلام غايته فتطامنت أسواره واستسلمت حصونه وخفّ تنبُّههُ للمحاذير، فالتعب إذا تراكم فعل بالحذر فعل الماء بالصخر، يُنهكه على مَهَلٍ حتى يشقّ فيه مجراه.

وكان الثالث حسن الثياب، خفيف الكلام، يحمل صندوقًا من زجاجٍ فيه أوراقٌ مطويّة، فأقبل على عبدالسلام ولم يبتدئه بالكلام عن الطريق، وإنما ابتدأه بالكلام عنه هو، قال: أرى رجلاً قاتل وتعب ولم يسأله أحدٌ عن رأيه في الطريق الذي يشاء ارتياده.

وكان هذا هو موضع الوجع من عبدالسلام بعينه من غير أن يُفصح هو عنه. والذي يُصيب من الموجوع موضع الوجع ويجسّه بكلمةٍ صادقة، يُشعر الموجوع بأنّه قد عرفه من باطنه وأحبّه، فيفتح له الموجوع ما أغلقه عمّن سواه، وما كلّ من جسّ الجرح بإصبعه أراد أن يُداويه، فقد يجسّه من يريد أن يعلم موضعه، فإذا علمه وضع عليه إصبعه إذا شاء أن يسوق الموجوع إلى حيث يريد.


قال عبدالسلام بباقي الابتهاج: صدقت!


فقال الرجل: الطريق الذي لم يسألوك رأيك فيه طريقٌ ليس لك وإن أبلغك، وإنما الطريق الصحيح ما يختاره السائرون أنفسهم.

فسأله عبدالسلام: وهل يعرف السائرون الاتجاه؟

قال: الاتحاه يكون فيما يتّفق عليه السائرون.

قال: فإن أخطأوا؟

فابتسم الرجل ابتسامةً تَلبّث بها لحظةً قبل أن يُجيب، كمن يُوفّي السؤال حقّه في الظاهر ثم يتخطّاه، ثم قال: لو كان العدد الكثير يُخطئ لم يكن الواحد أهدى منهم للصواب.. خذ هذه الورقة، اكتب فيها وجهتك ثم ضع هذه الورقة في الصندوق يخرج لك الجواب.

امتثل عبدالسلام لطلبه لأنه لم يستكثر هذه الفعلة، ولم تشق عليه فقد كانت أهون من اجتياز القلاع الخربة المخوفة وأهون من رهن الممتلكات.. 

لم يرَ عبدالسلام للامتناع سببًا قويًا، وكان هذا في ذاته علامةً على شيء. فإن أول ما يلين من الرجل قبل أن تلين ساقاه هو الباعث على أن يقول: لا، فإذا فقده استسلم، ثم تتبعُ يداه ما خارت إليه نفسه..


وسار معه إلى مدينةٍ أبوابها من زجاج، وكان الناس فيها يرفعون الأيدي في أوقاتٍ معلومة ثم ينصرفون إلى القيود التي اختاروها بأدب. وكان كل فريقٍ يزعم أنه دلّ الطريق، فإذا دار العام عادوا إلى الموضع نفسه، غير أنهم يبدّلون اللافتات والألوان ويحسبون الدوران مسيرًا. كان عبدالسلام إذا جاع قال له الرجل اكتب ما تريد من الطعام في ورقة وضعها في الصندوق وكان يصنع مثل ذلك إذا عطش وإذا أراد الخلاء والراحة.. وقف عبدالسلام بينهم طويلًا، وأحس أن قدميه تتحركان وأن الأرض لا تتغير، وأن الصندوق الزجاجي يبتلع ما يُلقى فيه ثم يلفظ صدىً مُهذّبًا لا يُشبه صوت أحدٍ بعينه ولا يشبه صوت فردٍ من الناس.


قال: أريد طريقًا أبلغ به البيت.

قال الرجل: الدورة القادمة تُبيّن الاتجاه.

فانتظر عبدالسلام لأنه لم يكن يرى بدًّا، وفي الانتظار الطويل ينزل بالإنسان أمرٌ لا يفطن إليه، وهو أنّه يأخذ في نسيان ما كان ينتظره. فصار عبدالسلام بعد حينٍ يطلب حقّه في أن يسأل عن البيت وقد نسي حقّه في أن يطلب البيت. 

والرجل في هذه القرية يُحاجّ في حقّه أن يقول، وينسى حقّه في تحقق المقول.. 


ثم بعد دهرٍ لا يُقدّره، وجد نفسه في ميدانٍ لا أحد فيه، فلقي شيخًا عليه عباءةٌ بيضاء، وفي يده خريطةٌ ممزّقةٌ قد رُقّعت بخيطٍ من ذهب. فلما رآه عبدالسلام أحسّ في قلبه بشيءٍ لم يُحسّه منذ زمنٍ طويل، فالرجل يُشبه شيئًا يعرفه، تحدّث الرجل فكان في حديثه حرارة وكان في صوته نبرةٌ كنبرة المئذنة القديمة، وفي لفظه كلماتٌ كالكلمات التي كانت تقولها أمّه في حكايات الليل قبل المنام.

وهذا الشبه -وهو الشبه الذي يُبشّر ويُحذّر في آنٍ معًا- كان أبلغ أثرًا في عبدالسلام ممّا قاله الرجال قبله، فالفكرة الباردة لا تُغري إغراء الفكرة الدافئة، والإنسان يُسرع في تصديق أشبه الأشياء بما يُحبّ ويعتاد. والكلام إذا جاء بالصوت المألوف في مجاهل الغربة فتصديقه موقوف على الشوق، وليس لوزن ما قاله الصوت إلّا أقل القليل من الأثر.. 


قال الشيخ: أتعبت؟

ولم يكن سؤالَ مستفهمٍ، فقد كان على عبدالسلام من التعب ما هو ناطقٌ مبين.

قال عبدالسلام: نعم.

فجلس الشيخ ونشر الخريطة على ركبتيه، ثم قال: انظر.

فنظر عبدالسلام فرأى خريطةً فيها جبالٌ يعرفها، وأنهارٌ يعرف أسماءها، وبلادٌ كان أبوه يُحدّثه عنها في صغره، فوجد في صدره شيئًا يتّقد لأول مرّةٍ منذ زمنٍ بعيد.

قال الشيخ وهو يشير إلى خريطة واسعة: هذا كله بيتك، ليس المنزل الذي تركته فحسب، لا لا! لا بل هذا كله بيتك، وما عليك إلا أن تجمع أطرافه، ولو زهدت بهذه الأطراف الواسعة فلن يستقر لك الجزء الذي تقنع به منها.

فرح عبدالسلام بالبيت الموعود مرتين، مرةً لأنه بيت واسع رحب حقيقٌ به أن يعوّض خسائره وأن يجتمع فيه أحبابه دون ضيق، ولأنّ طرق البيوت الواسعة أهدى من طرق البيوت الصغيرة، فالبحث عن ثوب في كومة قش أهدى من البحث عن إبرةٍ فيه.. 

فسار عبدالسلام معه وكاد يَعدُو، فقد جاء الأمل يحدوه بعد طول غياب، تذكّر عبدالسلام أهله في النزوح وطاف خياله فتمثّلوا له مستبشرين بالعودة إلى منزلهم القديم الأثير، لا بل هو منزلهم الجديد الواسع الوثير! وتمثّل له الأطفال يلعبون في الساحات والنسوة يتضاحكن على الغدران والشباب يتبارزون ويحييون الليالي، والشيوخ في ندواتهم يديرون الحديث ويسقون المشارب ويطاف عليهم بالمطاعم، وفي خياله اشتم رائحة الشواء واستطعمه وفي خياله طاف به فجر القرية وصباحها وصوت الرعاء الصادرين.. 

وكان عبدالسلام كلما سار مع الشيخ رأى الرايات تُرفع، وسمع الناس يهتفون، وأحسّ أن الكلام الذي سمعه من أبيه في صغره يقترب من اليقين.


غير أنه كان كلما دنا من مدينةٍ ألفى بينها وبين التي تليها حاجزًا، وكلما سأل عن الطريق قيل له نخبرك: بعد النشيد، فإذا انقضى النشيد، جاء نشيدٌ غيره.. 

طلب عبدالسلام الخريطة من الشيخ وما كان يجرؤ على طلب شيء من الأدلّاء قبله، فاستجاب له الشيخ برفق وحنان، ومد له الخريطة بيد مرتجفة فرفعها عبدالسلام إلى الشمس فرأى الخيوط ذهبيّةً على وجهها، ورأى الشقوق في ظهرها على حالها لم تُمسّ، فارتاب ولكنّ هتاف الناس كان يصبّره.


قال للشيخ يومًا: يا عمّ، هذه الخريطة تؤنسني ولا تُريني الطريق.

فقال الشيخ بصوتٍ عذبٍ فيه شيءٌ يُشبه الحزن الراضي: حسبك من الطريق أن تُحبّه.

وكانت الكلمة جميلة في إطرابها، وكان جمالها هذا هو عين الوجع، لأن هذا الضرب من الجمال إذا وُضع موضع الحقيقة كان أخطر من القبح. فالقبيح يُنفّرك فتنجو منه بنفورك، وأما الكلمة الحلوة فتُقعدك عندها وتُنسيك أنها ما دلّتك على شيء، فتظلّ تجترّها وتستعذبها، والطريق حيث هو، وأنت حيث أنت، والبيت منك حيثُ كان.. 


ثم جلس عبدالسلام في مُفترقٍ لا يدري كيف بلغه ولا من أين أتاه، فنظر في يديه فلم يجد فيهما شيئًا، لا المصباح الأحمر، ولا الفاتورة التي أخذها من الدفتر اللامع، ولا الورقة وصندوقها، ولا الخريطة! 

وما وجد غير غبارٍ تحت أظفاره، وغير جوعٍ في بطنه وصدره كالفجوة النافذة وغير قدمين خفيفتين لا تنهض بجسده وهو الضامر الطاوي.


وأخذ يُفكّر على نحوٍ لم يكن يقدر عليه في السنين الخوالي، لأنّه كان يخشى هذا الضرب من التفكير، فحتى التفكير الصادق يحتاج إلى ضربٍ من الشجاعة خاصّ، هو شجاعة أن يُواجه المرء أفعاله منزوعةً عن ملام الناس والوقت والظروف.

فكّر: لِمَ تبعتُ صاحب المصباح؟ 

لأنه لم يكن منكرًا وكان واثقًا، ولأن المصباح كان في يده والليل كان حالكًا، ولأني كنت مُتعَبًا، ولأن كلامه كان معقولًا وأنا كنت أريد أن أُصدّق، ولأني رأيت الظلم فأردت من يُفسّره لي تفسيرًا يجعل زواله ممكنًا. والذي يريد أن يُصدّق واجدٌ أبدًا ما يُصدّقه. وهذه حقيقةٌ لم يُبصرها عبدالسلام في حينها لأنها لا تُبصَر إلا من خارج اللحظة.

وفكّر: ولِمَ بقيتُ؟ 

لأن المُضيّ أهون من الرجوع، ولأن الإقرار بأن ما مضى ذهب في غير وجهته هو إقرارٌ بأن ما مضى ذهب إلى العدم العابث، وذلك ثقيلٌ جدُّ ثقيل. فالإنسان كثيرًا ما يُضطر إلى أن يُدافع عن الطريق الذي سلكه لأن الدفاع عنه دفاعٌ عن نفسه والجواب عن غايته جواب عن عمره فيما أفناه! 

ومن ههنا كان كلما أطال المُقام في الخطأ اشتدّ عليه الخروج منه والعمر حجة وسلطان! فالذي أنفق في الطريق سنةً يهون عليه أن يرجع، والذي أنفق فيه عمره يثقل عليه أن يقضي على عمره بالضياع، فيمضي فيما هو فيه لئلا يقول إنه أخطأ، فيكون فراره من كلمةٍ واحدةٍ هو الذي يُمعن به في الخطأ الدهور الدهارير.. 

وسمع في العشي أذانًا من بعيد، وعلى أنّ الأذان لم يشغله عن تفكيره إلّا أنّه أراد أن يقطع به التفكير، فقام ورفع رأسه، ثم قال: سأبلغه غدًا. فلما طلع الصبح وجد دليلًا جديدًا فسار معه، ولم يملك إلّا أن يسير معه، فليس ثمة بديل إلّا الإقرار، والإقرار يحتاج شجاعةً لم يبقَ منها في ذلك الوقت إلا اسمها..


ظل عبدالسلام يتبع دليلًا بعد دليل.. ثم شاخ عبدالسلام، فلما شاخ بلغ واديًا قَفْرًا، فأثقله المشيب عن شدة المسير فأبطأ عن القافلة ولم تنتظره ولم تسأل عنه، وكان يناديها بصوت خافت متهدّج ولكنّها ظلّت تسير دون احتفالٍ به ولا التفات، ظلت تسير نحو قرص الشمس وتصغر حتى غابت فيه.. 

ومرت به قوافلُ بعدها قوافل، ولكن لم يكن في وسعه وجسده وماله ما يغري به الأدلّاء الذين كانوا يقطعون عليه الطريق طمعًا وغفلة، فاعتمد على عكاّزه بعد أن تبلّغ بما تركته له آخر قافلةٍ مرت به، فمشى في أثرها، فوجد في طريقه صخرةً منحوتٌ عليها سهمٌ باهتٌ يُشير إلى ما وراءه، وتحت السهم كلماتٌ محفورة: 

هذا طريق البيت.

فجلس على الأرض ومسح الغبار عن عينيه، وتذكّر النخلة المائلة والبئر العتيقة والصوى الملقاة، وتذكّر وصيّة أبيه، وتذكّر اللحظة الأولى التي همّ فيها أن يرفع رأسه إلى النجم فسمع صوتًا من خلفه. تلك اللحظة الصغيرة التي لم يُوفّها حقّها من التأمّل كانت هي البذرة، وكان كل ما جاء بعدها ثمرتها. 

والشجرة الملعونة التي ملأت الوادي إنما كانت حبّةً وطئها الماشي فلم يلتفت إليها، فلو وقف عندها يومئذٍ لقلعها بإصبعين، فلما خلّفها وراءه نَمَت حتى صار قلعها يحتاج إلى ما ليس في حوله ولا قوّته..


لم يبكِ، وما كان امتناع البكاء منه عن صلابة، وإنما كان عن ضربٍ آخر من الألم، هو الألم الذي ينزل بالمرء بعد أن يُجاوز حدّ الدهشة ويبلغ موضعًا هادئًا في جوفه يرى فيه الأشياء على ما هي عليه بلا صخبٍ ولا ضجيج. ووضع جبينه على الصخرة كما يضع المرء جبينه على عتبةٍ طال عنها غيابه وطال إليها شوقه اللاهب الجموح، وضع رأسه على الصخرة فكأنّه ألقى عليها السنين وجحافل الحنين.


وقبيل الفجر مرّ به راعٍ صغير فرآه جالسًا حافيًا، مُمسكًا بصدره كأنه يخشى أن يُفلت منه ما بقي له من بقايا اليقين الذي فاته العزم.

قال الراعي: من أين جئت؟

قال عبدالسلام: من طرقٍ كثيرة.

قال: وإلى أين تذهب؟

فرفع الشيخ عينيه إلى السماء، فرأى النجم باديًا واضحًا ولم يكن قد غاب، وإنما كان هو الذي لم ينظر، ثم قال:


ـ إلى الطريق الذي تركته يوم حسبتُ أن كثرة الأدلّاء تُغني عن الهدى..


ثم مضى مُتوكّئًا على عصاه، والقرية بعيدة، والبيت أبعد من القرية، وبندقيته القديمة مرهونةٌ عند من لا يعرف قيمتها. غير أن الخطوة الأولى في طريق الرجوع كان فيها ما لم يكن في الخطوات الماضية كلها، وكان في قلبه ما يُشبه الخِفّة والسلام..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...