وكُتب في بعض الأوراق:
صحوتُ اليوم وفي نفسي رغبةٌ ملحّةٌ في الكتابة، وما أحسبها رغبةً في الكتابة على الحقيقة، وإنما هي رغبةٌ في التبليغ اتّخذت الكتابة سبيلا إليه بعد أن ضاقت بها السبل. أريد أن تقرأ قصتي الأجيال القادمة، ولستُ أدري لِمَ أجد في نفسي ما يشبه اليقين بأنهم سيفهمونني وأنهم يشبهونني، وقد يئستُ من أبناء جيلي الذين أمشي بينهم كل يوم فلا يسمعون. أمِن أجل أني أشتاق إلى ماضٍ ذهب، فأوجبتُ على المستقبل أن يشتاق إلى ماضيه الذي هو حاضري هذا؟ قد يكون، وفي النفس حيلٌ تُزيّن لصاحبها ما يشتهيه ثم توهمه أنه اهتدى إليه بعقله. غير أني بلغتُ من السنّ ما لا يُنفق فيه المرء بقيّته في تفتيش بواعثه، فليكن الباعث ما يكون، فإن الحكاية أصدق من صاحبها على كل حال.
ولقد جرّبتُ الصوت فما بلغ. حدّثتُ القوم في مجالسهم فرأيت أعينهم تنصرف عني إلى ما في أيديهم، وناديتُ في الخلاء فما ردّ عليّ أحد، وكيف يبلغ الصوت في قريةٍ ليس فيها جدارٌ يردّه؟ إن الكلمة عندنا تخرج من الفم فتذهب في الهواء ولا تجد ما يجمعها إلى الأسماع، وقد رأيتُ ما هو أوجع من هذا فسأحدّثكم به في موضعه. فإن عجز الصوت عن التبليغ فعسى القلم أن يبلّغ، فإن الورق يحفظ ما لا يحفظه الهواء، ويصبر على الأيام صبراً لا يصبره لسانٌ في فمٍ سيسكت عن قريب.
وأنا أكتب هذا وبين يديّ إزميلٌ أكل الضربُ رأسه، ورثتُه عمّن سأحدّثكم عنه، ومطرقةٌ لان مقبضها من طول ما قبضت عليه الأكفّ، وقفّةٌ معلّقةٌ في حوشي يبس في قاعها الجير من زمان بعيد. وخارج بابي خطٌّ غامقٌ ممدودٌ في التراب أمشي عليه كل فجرٍ فيحسبني الغلمان أهذي هذيان المجانين. فإن أردتم أن تعرفوا ما هذا الخط، وما كان قبل أن يصير خطًا، فهذا شأني:
كان لقريتنا سورٌ، وكان السور عندنا أقدم من بيوتها وأقدم من نخيلها، حتى لقد كان المسنّون إذا أرّخوا قالوا: بُنيت الدار الفلانية بعد السور بمئة عام، وغُرس النخل الشرقيّ بعد السور بمئتين، فكأنّ السور هو الجدّ العلي الذي تُنسب إليه القرية ولا يُنسب هو إلى شيء. ولم يكن جدارًا أصمّ كما تكون الأسوار المتجهّمة في سواه من البلدان، فقد فتح فيه الأولون نوافذ عاليةً مشرفة، لكل جهةٍ نافذة أو اثنتين، يدخل منها الضوء وتطلّ منها العين على ما وراء السهل، وكان للأولين في هذه النوافذ قولٌ يتوارثه البنّاؤون، يقولون: النافذة بقدر الضوء، والجدار بقدر الريح؛ يعنون أنّ من وسّع للضوء فقد أحسن، ومن أوهن الجدار فقد أسلم ظهره.
وكان على السور رجلٌ لا يوازي تبدّل حاليه نفورًا إلّا تبدّل أسمائه، كان الجيل الأول يسميه عبدالمتين، ثم غلبت عليه في الزمن التالي أسماءٌ أخر فقد أسموه عبدالجدار وناطور الحجارة، وهو رجل طاعنٌ ورث صنعة الترميم عن أبيه عن جدّه، وورث معها صندوق العدّة وبه إزميلٌ ومطرقة وقُفّة للجير لا تكاد تفرغ منه..
وكان يمشي مع الفجر في ظلّ السور من بابه الشرقيّ إليه ثانيةً، يمسح الحجارة بكفّه حجرًا حجرًا مسح الراعي على أصواف غنمه، ويقف عند المتصدّع منها وقوف الطبيب على العليل، فإذا سدّ شقًا أو شدّ مدماكًا عاد إلى بيته وكأنه قضى دينًا كان عليه.
وكنتُ أنا غلامه الذي اختاره ليحمل عنه الصنعة، فعلّمني ما لم يعلّمه أحدًا من غلمانه، علّمني أسماء الحجارة.
نعم، كان للحجارة عنده أسماء، يقدّمها إليّ كما تُقدَّم الأعمام والأجداد إلى الولدان، وكان ينتشر السرور في وجهه كلما سألته عن أسمائها، فيظل يخبرني بها فهذا حجر الرحى الذي حمله الجدّ المؤسس على ظهره من الجبل سبعة أيام، وهو يقول إنّ القرية التي لا يتعب أولها لا يستريح آخرها؛ وهذا حجر سنة الجوع، باعت الجدّات أسورتهنّ ليشتروا جيره، فالجير للجدار كالدم للجسد؛ وهذا الحجر الذي في وجهه طعنةٌ قديمة تركها الأولون بغير ترميمٍ عمدًا، قال: ليذكر الجدارُ! فإنّ الجدار الذي ينسى جراحه يفتح للجارح بابه ويلين له!
وكنتُ أحفظ عنه هذا كله حفظ الصبيّ الذي يحفظ ولا يعي، وعيني -واحسرتاه- معلّقةٌ من فوق كتفه بالنافذة الغربية، أرقب المدائن الزجاجية تشتعل في الليل وتخبو في الضحى، وأحسب الضوء كله هناك، والعتمة كلها في ظلّ هذا الجدار الذي أرمّمه.
ثم كان ما كان.. وما جاءنا جيشٌ ولا طلعت علينا راية.
جاء أول الأمر رجلٌ من أبناء القرية كان قد خرج من إحدى النوافذ إلى تلك المدائن وعاد، وعلى عينيه زجاجتان مستديرتان، فقال في مجلس القوم: إنّ نوافذكم ضيّقة، وإنّ أبناءكم ينشؤون في العتمة فتعشى أبصارهم، وإنّ الضوء حقٌّ للعيون. فمن ذا يقوم في وجه الضوء؟ وظل يلحُّ على القوم وبدت عليهم الاستجابة والارتياح، فما زال بهم حتى اقتنعوا وصاروا إلى فكرته أشد حماسًا منه إليها. فقام عبدالمتين وحده فذكر قول الأولين: النافذة بقدر الضوء والجدار بقدر الريح، فضحكوا وقالوا: أتحرمنا الشمس بحكمة الأموات؟ فوسّعوا النافذة الغربية، ودخل الضوء، ولم يقع شرّ، وأصبحت القرية أضوأ مما كانت، وأصبحت وكلام ناطور الحجارة أضحك مما كان.
ثم فُتح في السور بابٌ ثانٍ للتجارة، فقد قال التجار: البوابة القديمة تضيق عن العربات وهي ليست في تلقاء مُدن التجارة وقد كانت، فكان الخارج للتجارة يلف على السور حتّى تعتدل قبلته ثم ينطلق وكان أهل القرية يغتبطون بهذا الانعطاف لأنّ من شأنه أنّ يبصّر أهل القرية الملتفين بما قد يعتري أسوارهم من الخارج من محاولات التسوّر والتهديم، وكان من شأن هذا الانعطاف أن يمجّد لهم سورهم المنيع في كل مرة يغدون فيه ويروحون في سبيل التجارة وما تستتبعه التجارة من أخلاق التسهّل والبيع والشراء.
وحين فُتح في السور الباب الجديد دخلت بضائع جديدة، ودخل معها شيءٌ لم يلحظوه في أول الأمر وهو من سُنّة الاتجار، فقد دخلت أسماء البضائع على لسان مورّديها. صار صبياننا يسمّون الثوب بغير اسمه والطعام بغير اسمه، ويستطيبون الأسماء الجديدة في أفواههم استطابة الحلوى، ويستثقلون أسماءنا كأنها حصى من حصيان السور. وما شعر أحدٌ يومئذٍ أنّ شيئًا يخرج من القرية مقابل ما يدخل، لأنّ الذي كان يخرج لا يُرى في الموازين ولا يُكتب في الدفاتر.. وفاضت الواردات على قدر الزيادة في الباب، وصار الاستهلاك على أشدّه وصار التفاضل في الفضول..
ثم جاءت السنة التي عرفنا فيها أنّ لحجارتنا ثمنًا. فقد أقبل من الباب الموسّع قومٌ يتأنّقون في زيّهم ومراكبهم، يرتدون قفافيز سوداء ومعهم عدساتٌ وموازين دقاق، فطافوا بالسور يتحسّسونه ويتهامسون..
سمعتهم يقولون: "هذا حجرٌ قديمٌ نادر، ونحن نقيم في مدائننا بيوتًا للذاكرة نجمع فيها آثار الأمم، ونشتري.."
وبذلوا في الحجر الواحد ما لم تبذله القرية في محصول عام، وكانوا يدفعون الثمن ويزيدون فوق الثمن ألواح زجاجٍ صافيةٍ ومرايا مقعّرة مجلوّة، فقال القوم: نبيع حجرًا أصمّ ونأخذ ما يُرى منه العالم، فأين الخسران؟ إننا لو استبدلنا الزجاج بالحجارة لم نتسبدل بالسور غيره، فهذا سور وهذا سور، غير أنّ سور الزجاج لا يمنع عنّا الضوء ولا يعزلنا عن العالم من حولنا، ونحنُ به نطلّ على القرى المجاورة وعلى الوديان والأنهار، ونختلط بالعالم ولعلّ ذلك أنبه لنا على من يعتزم غزونا!
فاقتنعوا بما قالوا وباع أولهم حجرًا من السور مما يلي منزله وكان كل واحد موكلٌّ بما يليه وبما ابتناه.. ولمّا كثر الاستهلاك في القرية وركنت إلى الدعة لم تعد تنتج من عمل أبنائها شيئًا وإنما صار ثراء أبنائها من بيع الأصول..
فهذا باع لعرس ابنته، فما عابه أحد، ثم باع الثاني لدَينٍ ركبه، ثم باع الثالث لغير حاجةٍ إلا أنه رأى جاره قد باع.
وجُعل مكان كل حجرٍ لوحُ زجاج، حتى صار في السور ترقيعٌ عجيب، حجرٌ وزجاج، ثم زجاجٌ وحجر، ثم زجاجٌ يتّصل بالزجاج، ثم توسّع الناس في استعمال الزجاج حتى جاوزوا به جدران السور إلى جدران بيوتهم. وكانت حجارتنا تخرج على العربات فأرى عليها بطاقاتٍ قد كُتبت فيها أسماؤها التي علّمنيها معلّمي، مكتوبةً بحروفنا يعلوها، سطرٌ أعجمي يقف عنده أبناؤهم فيقرؤون تاريخنا مترجَمًا، وينصرف عنه أبناؤنا لأنهم لا يقرؤون تلك الحروف.
وأما عبدالمتين فكان يصنع في تلك السنين صنيعًا يبكي منه الضحوك المستهل. كان يشتري ما قدر عليه من حجارة قريته بكل ما اكتنزه، أعطى في أول الأمر جميع ما جمعه من الفضة، ثم أعطى بعض حبراته وبُرداته وكانت مطرزةً على أتم الوشي والنسيج، مجلوبةً إليه من أحذق الأقطار، ثم جعل يعمل من أجلها في حصاد الناس أجيرًا ليشتري بأجره حجرًا يعرف اسمه ورسمه، حتى امتلأ بيته حجارةً وضاق عن فراشه، فنام في حوشه إلى جوارها، وكانت القرية تقول: جُنّ الناطور، يشتري ما يُرمى! ويبتاع الطين بالثمين!
جئته يومًا وقد كنت صرت زجّاجًا أقصّ الألواح للناس وآخذ الأجر الطيب، فقلت له كلمة الشباب المفتون: يا معلّمي، الزجاج أصدق من الحجر، هو لا يحجب عنك شيئًا فرفع إليّ عينين متعبتين وقال: يا بنيّ، ليس الصدق أن تنفتح على كل مرأى ولا أن تُرى منك كلُّ ناحية، الصدقُ أن يُحفَظ لك ظهرٌ تلقى به عدوّك من وجهه.
الجدار لا يكذب، الجدار يحفظ؛ والذي يُريك كلَّ شيءٍ لا يحفظ لك شيئًا. فما فهمت يومئذٍ، وانصرفت إلى ألواحي، وتركته لحجارته، وذلك ذنبي الذي أكتب هذه الحكاية كفّارةً له، فقد كنت الشاهد الذي أبصر حين فاتته غنيمة الإبصار، والشاهد الذي لا يشهد في وقته لا تُقبل شهادته ولو صدق.
وسقط السور، لا في ليلةٍ ولا بضربة، وإنما ذاب كما يذوب الثلج في الظلّ، لا يسمع أحدٌ لذوبانه مس الشمس. وبقيت النوافذ -واعجبًا- بقيت أطرها القديمة قائمةً هنا وهناك على غير جدارٍ يحملها، وبقيت أبواب السور منتصبةً في الخلاء لا تثبّتها جدران، يعبر الصبيان من حولها ولا يعبرون منها، إذ لم يعد للعبور منها معنى، فالجهات كلها صارت سواء. وكنا ننتظر على تقدير عقولنا التي رُبّيت على حكايات الغزاة أن يدخل علينا جيشٌ فنعرف يوم سقوطنا ونؤرّخ له ونبكي عنده كما يبكي الناس على أطلالهم، فما جاء جيش، وما احتاج أحدٌ أن يجيء. وذلك أدهى ما في أمرنا، وهو أنّ الفتح الذي لا فاتح له لا يُقاوَم، لأنه لا يُرى، ولا يُؤرَّخ له، لأنه لا يومَ له، فيبقى المفتوحون يحسبون أنفسهم في حصنٍ وقد صاروا في عراء..
وكان صوت الأذان، وقد كانت المئذنة تُسند ظهرها إلى السور فيردّ لها الجدارُ صوتها إلى الأسماع_ صار يخرج إلى العراء فيتبدّد في الهواء، تحمله الريح إلى غير سامع ومجيب.
ولقد تنبّهنا إلى الحقيقة وما تنبّهنا إلّا بلسان طفلة..
كانت المرايا المقعّرة التي قبضناها مع الزجاج أثمانَ الحجارة قد ملأت البيوت، حتى صار الرجل منا يلقى صورته أينما التفت، وفي عشيّةٍ من عشيات السمر وقفت حفيدةٌ لأحدهم أمام مرآةٍ من تلك المرايا، وقلبت عينيها بين صورتها وبين لبسة أهل القرية التي عليها، ثم التفتت إلى جدّها فقالت بصوت الأطفال الذي لا يعرف كيف يجامل: يا جدّي، لماذا لا نشبه أنفسنا؟ هذه المرايا تكذب علي يا جدي ستدخل النار صحيح؟ إنها تجعلني أكبر مما أنا عليه..
فضحك المجلس ضحكةً قصيرة، ثم ماتت الضحكة في الحلوق فجأةً، فقد وقعت الكلمة من القوم موقع الغصّة من الهانئ الملتذ، وجعل كلٌّ منهم يدير السؤال في صدره ولا يجرؤ عليه بلسانه.
وبلغت الكلمة عبدالمتين، فكان لها في الشيخ الفاني فعل الغيث في العود اليابس. رأيناه في الفجر التالي وقد أخرج حجارته المخزونة، وشدّ ظهره المحنيّ، وجعل يرصفها مدماكًا أولَ على خطّ السور القديم، يقيس بخيطٍ ويسنّ بإزميلٍ ويسدّ بجيرٍ، وهو قائم وحده، والقرية تنظر من بعيد نظرتها القديمة التي بين الرحمة والسخرية. عمل ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أبطأ عن الفجر، فوجدوه عند طرف المدماك جالسًا إلى الأرض، وقد وضع خدّه على آخر حجرٍ رصفه، كأنما توسّد الجدارَ الذي وسّده عمرَه، وقد أعيانا أين ندفنه، فقال شيخ الجامع وهو يسوّي عليه التراب: لندفنه على خطّ السور فقد كان يرمّمه، وما أنصفناه حيًا فلننصفه موضعًا.
فأما أنا فقد ورثت صندوق عدّته، فإني كنت غلامَه على عقوقي، والإزميل المتآكل عندي، والمطرقة المعتجنة عندي، والقفّة معلقةٌ في حوشي وقد صارت فارغة لا تُملأ.. وقد كسدت سوق الزجاج في نفسي من يومئذٍ، فتركتها. وصار لي في كل فجرٍ مشيةٌ يعرفها أهل القرية ويعجب منها أبناؤهم: أمشي على خطٍّ غامقٍ في التراب، هو رسم السور الباقي في الأرض بعد ذهاب السور، وأعدّ مواضع الحجارة بأسمائها كما علّمني عبدالمتين، فهنا كان حجر الرحى، وهنا حجر سنة الجوع، وهنا صاحب الطعنة التي تُركت لتُذكر. فمن سمعني من الغلمان حسبني أهذي، وإنما أنا أقرأ سورًا منتقضًا، وألقّن الترابَ أسماء الحجارة مخافة أن ينساها الترابُ كما نسيها الناس.
وسألتني الطفلة صاحبة السؤال يومًا -وقد شبّت- عن هذا الخطّ الغامق ما هو، فقلت لها: هنا كان لنا ظهرٌ نستند إليه. قالت: ومتى هُدم؟ فقلت لها ما انتهت إليه حكمة القرية كلها بعد فوات أوانها:
يا بنيّة، ما هُدم سورنا، وما دخلت علينا خيلٌ قط، وإنما فُتحت القرية صبيحةَ يومٍ خرج منها أول حجر، وضحكنا فيه من الرجل الذي قال لا تُخرجوه.
تعليقات
إرسال تعليق