كنت
البارحة أناقش أحد الأصحاب في شأن مباهلة خاض فيها طلبة جهل وطيش وتجنٍّ، فأخذنا
النقاش إلى مسألة الأسماء والأحكام، وتحدثنا عن جرأة تنزيلها على الناس مع تباعد
الزمان وتطاول القرون.. وعما لا يخلو منه التنزيل من القفز إلى القطع والمجازفة،
وعن كيف تقضي بالكفر على التعيين في شأن من لا تعرف حاله ولا ما انتهى إليه
أمره..
وقد
خضنا في ضرورة تنزيل الأسماء للفصل وإمضاء الأحكام وحفظ المجتمع، وظللنا بعد ذلك
نستصعب الأمر ونقول بضرورة ضبطه بضوابط الشرع ووقفه على العلماء والقُضاة كيلا
يستشري استشراء النار ولا يذوب ذوبان الجليد..
فكنتُ
وأنا أتأمّل الأمر أرسل نظري في رفوف المكتبة أمامي فوقعت عيني على كتاب للأديب
حسين بافقيه، عنوانه “عبروا النهر مرتين”، فجرت أفكاري في نهر متصل لا يعرف مصبّه
كيف كان منبعه ولا يعرف منبعه أين يكون استقراره..
وعنوان
الكتاب فيه اقتباس معكوس لكلمة الفيلسوف هرقليطس الشهيرة حين قال إنك لن تستطيع
عبور النهر نفسه مرتين، وهي فكرة صحيحة، لأن قاطع النهر لا يختلط بنفس الماء،
فقاطع النهر يقطعه من مكانٍ محدد، والنهر جارٍ في هذه النقطة، والماء الذي يخالطه
القاطع لا يعود ليختلط ثانيةً.
وهي
فكرةٌ مخيفة، أعني أن الإنسان يُراع حين تفجؤه قبل أن يحدد مناط الروعة فيها،
ومناطها فيما أحسب هو حتمية الفوات واستحالة التكرار.
ولستُ
أول من رِيع بها، فقد رِيع بها كل من فطن إليها منذ رآها هرقليطس على ضفة نهرٍ
يونانيّ منذ خمسةٍ وعشرين قرنًا، ولكن الروعة على قدمها لا تشيخ، وهذا من عجيب أمر
الأفكار الكبيرة، أنها لا تُستهلك بالتداول وأنّها تبقى مُذهلةً صادمة كلما
رُدِّدت.. وكلما تأملها متأملٌ خُيّل إليه أنه أول من اهتدى إليها أو أنّه أوّل من
اهتدى إلى غورٍ من أغوارها المجهولة، وهذا شأن الفكرة التي تمسّ من الحقيقة موضعًا
حساسًا، لأن الحقيقة إذا كانت من هذا الطراز لا تحتمل أن تصير مألوفة، وإن حُفظت
في الصدور بألفاظها.
وحملني
التأمل في هذه الفكرة إلى التأمل فيما يُقاس عليها من الأفكار، وهي فكرةٌ منسحبة
على كل ما في الدنيا، لأن من طبيعة الدنيا أنها جاريةٌ منسحبة، وأن لحظاتها لا
تعود. وأول ما طرأ لي من الأقيسة هو أنك لا تقابل الإنسان نفسه مرتين، لأن تكوين
الإنسان إنما هو من الذكريات والحواس المتلاحقة.. والإنسان في لحظةٍ غيرُه في أخرى، لأن
أقل لحظةٍ يصح فيها التقدير والحكم هي لحظةٌ يجوز فيها أن يموت الإنسان، فيكون
قبلها حارًّا تسري فيه الروح، ويكون فيها مواتًا باردًا لا حياة فيه، فإذا صح
للإنسان أن ينتقل هذه النُقلة العظمى بين حياة وموت في لحظة يسيرة فإنّه يجوز أن
يتنقّل في مراحل الشعور والحياة التي هي بين المرحلتين، والإنسان وإن كان حيًا فهو
يسير إلى الموت ولابد أن المسير إلى الموت يقتضي التغيير وكل كون إلى فساد.. وكل
كون في طريق الفساد يفسد على نحوٍ ما..
وإذا
صح هذا القياس، فما أشدّ ما فيه من عبرةٍ لمن يعاشر الناس على ظن أنه يعاشر
أشخاصًا ثابتين، لأن الصديق الذي نلقاه اليوم ليس هو بعينه الصديق الذي لقيناه
بالأمس، وإن حمل اسمه ووجهه ونبرة صوته، فقد أضاف إلى ذاكرته يومًا لم نشهده،
وأضافت الأيام إلى حواسه ما لم يكن قد أُضيف بعد حين افترقنا، فنحن حين نستأنف
اللقاء إنما نستأنفه مع نسخةٍ جديدةٍ من ذلك الصديق، لا نراها لأننا مأخوذون بثبات
الاسم عن تغير المسمّى. وهذا سرّ ما نُحسّه أحيانًا من غربةٍ عمّن نعرفهم منذ
سنين، وهي غربةٌ لا تنشأ عن قطيعةٍ ولا عن جفاء، وإنما تنشأ عن هذا التدفق الخفيّ
الذي لا يكفّ، والذي يجعل من كل لقاءٍ لقاءً أول، وإن حسبناه تجديدًا لِما سبق.
وأخطر
من هذا أن يُقاس الأمر على النفس صاحبة القياس، أعني أنك لا تلقى نفسك مرتين، وهذا
أدهى من ألا تلقى غيرك مرتين، لأن فراق الناس يُحتمل على مضض، أما فراق النفس عن
نفسها فأمرٌ لا يخطر للإنسان في العادة، لأنه محجوبٌ عنه بوهم الاستمرار، وهو وهمٌ
تصنعه الذاكرة حين تصل حاضر الإنسان بماضيه بخيطٍ نُسمّيه “الهوية”، فيظن الإنسان
أنه هو هو منذ طفولته إلى شيخوخته، مع أن الذي كانه في طفولته قد مات مرارًا وتجدد
مرارًا، ولم يبق منه إلا الاسم الذي يحمله والذكريات التي يُحدّث بها عن ذلك الذي
كانه، كما يُحدَّث المرء عن غيره لا عن نفسه.
وقد
استوقفتني في هذا المعنى لحظة الحكم على الإنسان، أعني اللحظة التي نزن فيها خُلقه
أو نُصدر فيها رأينا في طبعه، فرأيت أنها من أخطر اللحظات، لأنها لحظةٌ عابرة نحكم
بها على كائنٍ لا يفتأ يعبر، فنُثبّت المتحرك بحكمنا عليه، ونظنه قد استقر على
الصورة التي رأيناه فيها، وهو قد فارقها قبل أن يجفّ مِداد حكمنا. ومن هنا رأيتُ
أن أكثر الأحكام التي يُصدرها الناس بعضهم على بعض إنما هي أحكامٌ على أشباحٍ
ماضية لا على أحياء حاضرين، لأننا نحكم على الصورة التي التقطتها ذاكرتنا في لحظةٍ
بعينها، ثم نُبقي عليها حكمًا نافذًا وإن جرى النهر بعدها ألف مرة.
ولا
أخفي أني -وأنا أطيل النظر في هذه الفكرة- وجدتُ فيها عزاءً لم أكن ألتمسه منها
حين بدأتُ التأمل، وهو أن الفوات الذي يُرعِبنا من هذا الباب هو نفسه الذي يفتح
للإنسان بابَ التجدد، فلو كان الإنسان يلقى نفسه في كل لحظةٍ كما لقيها في اللحظة
التي قبلها، لكان محكومًا بصورته الأولى محكوميةً لا فكاك منها، ولكنه لما كان لا
يلقى نفسه مرتين، كان قادرًا أن يفارق ما كانه بالأمس، وأن يكون في غده غير ما كان
عليه في يومه، وتلك رحمةٌ في صورة روعة، ونعمةٌ خُبّئت في ثوب النذير، لأن الذي
أخافنا أولًا من قول هرقليطس هو بعينه الذي إذا أُمعن النظر فيه بشّرنا بأن باب
التغيير مفتوحٌ ما دام النهر جاريًا، وأن اليأس من النفس وشيكٌ لولا هذا الجريان
الذي نخافه.
سبحان
الحي الذي لا يموت، الباقي الذي لا يفوت..
سبحانه
القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
تعليقات
إرسال تعليق