أيّام جديدة معادة هي الأيام المعهودة في قلب المكان، أو الشرق الأوسط، وها قد دخلنا في دورة جديدة من دورات الحرب منذ أن أعلن ترمب انتقاض الهدنة بعد أن خفّت مؤونة الترتيب لبطولة كأس العالم..
عادت الولايات المتحدة لقصف إيران وعادت إيران لقصف الخليج..
كانت إسرائيل مثّلت الجنون حين أحسّت بخطر وجودي وقصفت في كل مكان فمثلت إيران الجنون وأخذت تقصف في كل مكان..
إيران تحسّ بخطر وجودي وهذا الإحساس عندها لم ينشأ من فراغ. فقد رأت أذرعها تُفكَّك واحدةً بعد أخرى، ثم رأت ما تحقّق في السنتين الأخيرتين من استهداف بنيتها النوويّة وقيادتها السياسيّة العليا حتى قُتل مرشدها وشُيّع في مطلع يوليو..
ومتى استقرّ في عقل الدولة أنّها تقاتل عن وجودها لا عن مصلحةٍ من مصالحها، بطلت في حقّها معادلات الردع المألوفة وصارت أفعالها غير المتوقعة أفعالًا متوقعة..
ردّت طهران على حصار نفطها بإغلاق هرمز، وأقامت إغلاقها على دعوى السيادة الوطنيّة على الممرّات، بالاشتراك مع سلطنة عُمان في إدارة المضيق، وكانت قد طلبت في مذكرة التفاهم المنتقضة: فرض رسومٍ سياديّةٍ على المرور بهرمز، والرفع الكامل غير المشروط للعقوبات، وصندوقًا باستثمارات خليجية وأمريكية لإعادة الإعمار بثلاثمئة مليار دولار تعويضًا عمّا أصابها في الحرب.
والذي يهم الولايات المتحدة هو المضيق لأن فرض الرسوم عليه يعني ارتخاء الهيمنة الأمريكية على مضائق البحار وتجارة العالم مما يعني بداية مخاض لنظام عالمي جديد..
فانتقض التفاهم وعادت إيران للمعادلة الصعبة، وهي
أن تقصف الخليج دون أن تستعديه، وهي تقصفه لأسباب كثيرة منها ما تزعمه من ضرورات الحرب وأنّ قواعد أمريكا في الخليج مصدر للنيران التي تحرقها.. والذي نعرفه من سلوك إيران دون أن نبحث في صحّة زعمها هو أنّها كانت ستقصف الخليج على كل حال لكي تتعطّل مصالح النظام الاقتصادي الذي ترعاه الولايات المتحدة، ولأنّها في شعورها بالتهديد لا تريد لجيرانها أن يبيعوا النفط في الحين الذي تُمنع هي من بيعه، ولأنّها تريد تثبيت الحال في سورية التي تدعمها دول الخليج، لأنها تتخوّف من أن يقضي نهوض سورية بتدخلها في القضاء على حلفائها في لبنان، ولأنّها تعتقد أن الخليج خاصرة رخوة وأنّ دوله ستطلب من أمريكا -بحق مصالحها- وقف الحرب، وهي معادلة صعبة دقيقة كما قلنا فإيران لا تريد استعداء الخليج ولا تريد للخليج أن يكمل حربًا بدأتها إسرائيل فتستريح إسرائيل وتتعافى ثم تضطر لملاقاة إسرائيل ثانية وإسرائيل في أتم استشفائها، وتكون هي منهكة من مواصلة الحرب..
ولما رأت إيران أن خنق الطاقة العالمية في هرمز لم يوقف الحرب سريعًا كما قدّرت لأن الخليج ظل صامدًا ولأنّ له رئةً غربيّة ولديه مسارات أخرى لتصدير نفطه ولأن دولًا مثل قطر والبحرين والكويت ما زالت تستقبل وارداتها برًا من موانئ السعودية الغربية_ لما رأت إيران كل ذلك أمرت جماعة الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب، ولو أنّ الحوثي استجاب للأمر لكان بذلك يفقد شرعيته عند شعبه لأنه يعرض شعبه لحرب من أجل أوامر إيران ولاستبان لأطياف حكومته أنّه تبع لإيران يدور على مصلحتها لا على مصلحة اليمن.. فاحتالت إيران على ذلك وقدّمت الذريعة للحوثي بإرسال طائرتها إلى مطار صنعاء ذهابًا ومن ثم إيابًا في مطلع يوليو لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات لتنتهك بذلك الحظر الجوي على هذا المسار، وكانت تعلم أن السعودية ستضطر لاعتراض الطائرات، وبذلك يستطيع الحوثي أن يشحن شعبه بدعاية دفاعية تضع السعودية في خانة المعتدي المبادر الذي يحاصر المطارات، وتكون له ذريعة في الرد بقصف مطار أبها ثم إغلاق باب المندب أمام السفن السعودية وحدها دون سفن أعداء إيران من الصهاينة والأمريكان، ليصوّر الأمر على أنّه رد على الحصار بحصار وأنّه خارج عن حسابات إيران..
وللحوثي بواعث أخرى وإن كان هذا باعثه الإعلامي.. فمن بواعثه أنّه يعلم علم اليقين أنّ الحرب ستأتيه إن هُزمت إيران وأنّ بقاءه من أصله مرهونٌ ببقاء إيران قويةً.. فلذلك آثر الإقدام على حصار المضيق كي تستطيع إيران أن تدخل المفاوضات وقد جمعت أكثر ما تستطيع من أوراق..
ولتخفيف الضغط على الحوثي أمرت إيران ميليشياتها في العراق بقصف المنشآت النفطية، فردت السعودية ردًا عنيفًا، لكن الضربة على شدّة دويّها ظلّت محدودة وهي رد اعتبار، وما زالت المملكة تغلّب أساليب العمليات الجراحيّة على أساليب التدمير..
فالهدف من الضربة هو إعلام محرّك المليشيات بأنّ السعودية أكبر من أن تدخل في حسابات الضغط لأي ترتيبات ومفاوضات قادمة.. وما زالت السعودية تنأى بنفسها عن الحرب، ولكن الاعتداء عليها لن يجعلها في خانة من يضغط على أمريكا لإيقاف الحرب بل سيستعديها ويجعلها تقابل الجنون بالجنون..
فمن المنتفع من هذا كلّه؟
إنّ الغاية القصوى التي تعمل لها إسرائيل منذ سنوات لا تقتصر على تدمير القدرة الإيرانيّة وحدها، فذلك ما لا تبلغه بسلاحها ولا بسلاح حليفها إلى النهاية؛ وإنما غايتها الكبرى تحويل محور الصراع في هذه المنطقة من صراعٍ عربيٍّ إسرائيليّ إلى صراعٍ عربيٍّ فارسيّ وعربيّ تركيّ وعربيّ عربيّ، ومن خصومةٍ على أرضٍ محتلّة إلى خصومةٍ على مذهبٍ ونفوذ.
وكلّ صاروخٍ إيرانيٍّ يسقط على الظهران أو الجهراء أو الدوحة أو المنامة يخدم هذا التحويل خدمةً لا يبلغها سربٌ من طائراتها، لأنّه ينقل بوصلة التهديد في وعي الخليج من الغرب إلى الشرق، ويجعل الأمن مطلوبًا في مواجهة طهران لا في مواجهة تل أبيب.
إسرائيل هي المستفيدة ولا نحتاج إلى الاستكثار من الأدلّة.. ونراجع حرب الخليج الأولى التي كانت بين العراق وإيران وما جنته إسرائيل منها. فقد شُغل جاراها الكبيران أحدهما بالآخر ثماني سنين، فطارت طائراتها سنة إحدى وثمانين إلى مفاعل أوزيراك النووي العراقي (مفاعل تموز) فضربته ورجعت سالمة؛ ثم اجتاحت لبنان سنة اثنتين وثمانين والعالم العربيّ منصرفٌ إلى حرب الخليج.. ثم بلغ الأمر أن سهّلت وصول السلاح إلى طهران في قضيّة إيران-كونترا وهي عدوّتها المعلنة، لأنّ مصلحتها في إطالة الحرب كانت أكبر من مصلحتها في انتصار أحدٍ من الطرفين..
إنّ إيران أخطأت في هذه الحرب خطأً استراتيجيًا مضاعفًا. أخطأت يوم تخلّفت عن الطوفان وقد كان في صميم ما تدّعيه من قضيّة وعزلت غزّة عن المفاوضات، فأسقطت بذلك رصيد عقيدتها كلّها، إذ إنّ محورًا يُقام لأجل قضيّةٍ ثم يغيب رأسه يوم امتحانها الأكبر هو محورٌ يجرّئ عليه أعداءه ويغري بدك الرأس بعد قطع الأطراف. ثم أخطأت فخدمت إسرائيل بصواريخها خدمةً عجزت إسرائيل أن تصل إليها بخططها وأحابيلها، وهي رفع مستوى العداوة والخطر بين ضفّتَي الخليج إلى مستويات الأخطار المحدقة الوجودية.
فما الموقف الذي تقتضيه المصلحة الخليجيّة في هذه المعادلة؟
المسألة عندي مثلّثة الأضلاع، وكلّ ضلعٍ منها لا يحصر المسألة فيشخّصها على وجهها الصحيح إذا أُخذ بمعزل عن الأضلاع الأخرى: 1- فالدخول في الحرب طرفًا يخدم الغاية التي رُسمت لنا، إذ ترتاح إسرائيل من حربٍ بدأتها وتعبت فيها، وتتفرّغ للاستشفاء، ويحترق الخليج في قتالٍ ثمرته لسواه. 2- والسكوت على الضربة يُغري بتكرارها ويخصم من هيبة العرب في الخليج وسيادتهم. 3- والركض إلى واشنطن تحت وقع الصواريخ يُكافئ الوسيلة فيدعو إلى إعادتها كلّما احتاجت إيران إلى رسالة توصلها، إذ هو يقنعها بجدوى حساباتها.
ومخرج المثلّث عندي أن يُفصل بين الردّ والحرب. فالردّ الجراحيّ الذي يُصيب مصدر القرار ويتجنّب الناس والمصالح الوطنية يستردّ الردع من غير أن يفتح جبهة ملتهبة، وهو ما جرت عليه المملكة في ردّها على ميليشيات العراق؛ ويقترن بهذا رفض دور القناة والحمام الزاجل رفضًا معلنًا، مع السعي في إنهاء الحرب سعي صاحب المصلحة المبادر لا سعي المضروب المستجيب..
وأمّا الجبهة الجنوبيّة فلم تعد تقبل التأجيل أو الاسترخاء وقد خطت المملكة خطوةً في الاتجاه الصحيح حين رتّبت الأمر في جنوب اليمن، ويبقى عليها اختيار توقيت الحسم وطريقته..
إن الحرب ماضية نحو التصعيد، ولا تلوح لها في الأفق القريب نهاية وإن توقّفت واهتدن الأطراف، وخلاصة الأمر أنّ أوّل انتصار لنا في هذه المرحلة أن نمتنع عن أداء الدور المراد لنا، مع الاحتفاظ بردعٍ لا يُغري بنا، وبناءِ ما يُخرجنا من هذا الانكشاف حين تضع الحرب أوزارها بل قبل أن تضعها.. وكيف يكون ذلك؟ الحق أنّي لا أعرف حلًا لذلك إلّا من طريقين متلازمين أحدهما آني والآخر يستلزم الإعداد: الأول: بناء اتحاد عربي إسلامي يرتّب الإقليم ويسهم في مخاضه الذي يتشكّل، والثاني: وهو الأوّل من حيث الرتبة وكان ينبغي له أن يكون أولًا من حيث الزمان قبل هذي الظروف، وهو تحصين الداخل بالعقيدة والثقافة والتلاحم والوصول للكفاية في الصناعة والعسكرة.. ولستُ أرى في الحلول البديلة للإقليم إلّا ضربًا له من الاستنامة والإرجاء والتبعية..
فهذا هذا، والله يصلح الحال، وهو الغالب على أمره وهو الهادي إلى سواء السبيل..
تعليقات
إرسال تعليق