عُقدت إذن اتفاقية مكة، ونعرف أنّ مضمونها: التعاون والاشتراك في شؤون الحرب والدفاع.. وهو اتفاق مثلّث الأضلاع، ضلعه الشرقي نووي ثم ضلع اقتصادي ثم ضلع صناعي..
فهل يعني هذا الاتفاق ما يعنيه الحلف التام؟ وهل يعني أن تركيا وباكستان ستعلنان الحرب على إيران إذا اعتدت على السعودية أو أنّ السعودية وتركيا ستحاربان الهند في حال اعتدائها على باكستان؟
إنّ في الاتفاق من الالتزامات ما يشير إلى ذلك ويؤسس له، غير أن الدخول في حرب نظامية كاملة دونه خطوات وتعقيدات، وقبله خطوات من التنسيق والإسناد مرهونة بكل حالة على انفراد..
وتبقى هذه غاية مرجوّة، أو قد تكون كذلك، ولكنّها ما زالت تحتاج إلى مزيد من التنسيق والثقة والتعالي على الخلافات التي لم تُحسم بعد، ولكل دولة من الدول الثلاث حساباتها، وما زالت كل دولة مشدودة بحلفائها ومصالحها التي قد تتعارض في كثير من القضايا، وحتى تجيء تلك الخطوة يبقى الاتفاق ردعًا قائمًا في الأذهان، وذلك مكسبٌ يُحسب لأصحابه على كل حال، إذ نصف عمل الردع إنما يكون في حساب الخصم قبل أن يبدأ في الميدان..
وقد صرح المسؤولون بإطار هذا الاتفاق وحدوده ولوازمه، وإذا قد فرغوا من الحديث في مضمونه فإنه يبقى الحديث عن شكله ورموزه..
اختير للاتفاق "مكة" اسمًا ومكانًا، واختير يوم الجمعة زمانًا، وأدّى القادة بعد الاتفاق صلاة الجمعة سويةً أمام الكعبة، وأرادوا بكل ذلك إظهار مظاهر الاجتماع والالتزام وأرادوا أن يجعلوا الدين جامعًا وضامنًا..
بهذا الاتفاق المثلّث تكتمل المشاريع الثلاثة في الإقليم، فقد استبان الآن أنّ في الإقليم ثلاثة محاور.. محور مكة ومحور طهران ومحور تل أبيب..
أو هم محور شيعي تقوده إيران وتأرِزُ إليها مليشياتها في اليمن والعراق ولبنان، ومحور صهيوني يجعل مصلحة إسرائيل في قلب فلكه الدوار، وتطوف عليه المصالح الأمريكية والغربية ويطوف عليه عملاء الصهاينة في الإقليم.. ومحور مكة الذي هو محور التاريخ الممتد والجغرافيا المستقرة..
كان الإقليم موزّعًا على محورين هما الإيراني والصهيوني، وكان المحور الثالث متذبذبًا لم يستشعر الخطر ولم تستبن له الوجهة، ولم تعلُ أطرافه على الخلافات ولم تغلّب الغاية البعيدة على النزاعات الآنية، فارتخى محور التاريخ والجغرافيا وتمدد المحور الإيراني والصهيوني على حسابه، وكان يخصم من رصيده في الأرض والنفوذ..
وكانت الأوضاع في المنطقة على شيء من الركود والتسليم، بعد انقضاء موجات الربيع العربي وتثبيت الحال في سورية واليمن والسودان وليبيا والعراق، فبدأ تجريف الوضع الفلسطيني ومضت بعض الدول العربية نحو التطبيع..
حتى جاء الطوفان..
وجاء الطوفان في بدء ارتخاء القبضة الأمريكية على الشرق الأوسط، وانشغالها بالخطر القادم من الصين وانشغال حلفائها الأوربيين بالخطر الروسي وبالحرب الروسية الأكرانية..
سورية
وكان مما عجّل به الطوفان: اصطراع المحاور، فكانت مواجهة إسرائيل وإيران..
فتوسّعت الأولى وقد بلغ ما قضمته من الأراضي العربية نحوًا من 1000 كيلو متر مربع! قضمتها من غزة ولبنان وسوريا منذ السابع من أكتوبر حتّى الآن، وازدادت مساحة نفوذها وعملياتها حتى بلغت الخليج.. وتراجعت الثانية حتّى ضُربت في عُقر دارها، وانشغلت إيران وروسيا عن سورية، فتحررت سورية وغنم بتحررها الأتراك والعرب من أصدقاء الثورة، وملأوا الفراغ الإيراني سريعًا ولم يترددوا في دعم الدولة الجديدة فدخلوا الساحة السورية التي صارت ساحة تلاقٍ واتفاق بين العرب والأتراك وصارت ساحة تصارع واشتباك بين نفوذ الداعمين ونفوذ الصهاينة..
فإذًا قد أفاد تحرر سورية في تقريب أصدقاء الثورة الذين اختلفت مصالحهم ورؤاهم في السنين الأخيرة حين تأخر التحرير..
المملكة
كانت المملكة تعتمد في استقرار أسواق الطاقة وضمان تدفّق النفط على ارتباط المصالح الأمريكية بأمن المنطقة والتزامها ببقائها مستقرة، ثم استدارت أمريكا نحو الشرق مع التفات نحو أُكرانيا وإغفال مستهين بهموم العرب في الخليج والإقليم، فاستشعر الخليج حاجته للاضطلاع بمهمة الأمن والاستقرار وحاجته لتنويع الشركاء في هذه المهمة فالتفت نحو الصين واضطلعت الصين بمهمة التهدئة بين ضفتي الخليج فكان اتفاق الصين بين السعودية وإيران في مارس 2023، ثم صدق شعور الخليج بالخطر وضرورة التأمين حين أصبح الأمريكان طرفًا في تأجيج الصراع في المنطقة بإسنادهم الصهاينة في حرب الإبادة في غزة وفي إسناد توسّعهم وتبجّحهم، ثم سطا الأمريكان على النفط الفنزويلي، فأمّنوا أسواقهم ومصانعهم وارتاحوا بذلك للاشتراك مع الصهاينة في الحرب على إيران، وتجهّزوا بذلك للمضي في مصلحة إسرائيل إلى آخر المشوار وعلى حساب كل مصلحة..
فتوثّقت حاجة المملكة لبناء نظام إقليمي جديد بعد الحرب الصهيونية الإيرانية، إذ وجدت نفسها في مرمى النار من جهة الشرق والشمال والجنوب..
ذهبت السعودية نحو اتفاق مكة في هذه الظروف، تحدوها حاجة لتوطين الصناعات العسكرية وجدت تلبيتها عند تركيا وحاجة في بناء الردع النووي وجدتها عن الباكستان..
الباكستان
تتفق باكستان وتركيا وبقية دول الإقليم السني في الغاية والمصير كما تتفق في الحاجة إلى حلف حامٍ، وتجد باكستان في نفسها حاجة ملحة لهذه الاتفاقية قبل الحاجات البعيدة الاستراتيجية، وهي الحاجة التي تعانيها من عجز في الطاقة يقدّر بنحوٍ من 4000 ميجا واط، مع نقص في واردات الغاز الطبيعي المسال، وتدهور في كفاءة الشبكات وتأثر إمدادات الوقود الأحفوري، فهي محتاجة حاجة ماسة للنفط والودائع، وهي تتوجس من الهند وتخشى الاستنزاف على الحدود الأفغانية وتخشى الفوضى التي قد تسببها الحرب على إيران.
تركيا
تركيا هي عدو إسرائيل القادم بعد إيران، وهي الخطر النامي على لسان المسؤولين الصهاينة فلم يعد يواري المسؤولون الصهاينة نواياهم بشأنها، وتخشى إسرائيل من اتساع نفوذها في سورية، ولذا هي معنيّة بإبقاء سورية ضعيفة واهنة، وقد جاوزت إسرائيل خطوط الهدنة فور سقوط النظام ونزعت سلاح الأهالي من المدن المجاورة للجولان المحتل وقصفت مخارن الذخائر ودعمت الدروز في جنوب سوريا، ولها تواصل مع الأكراد من أعداء تركيا، وقصفت إسرائيل مقر وزارة الدفاع السورية، وقصفت مطار حماة العسكري، وقصفت قاعدة الـ T-4 التي أراد الأتراك أن يشغلوها، وظلت إسرائيل تمانع أن يكون لتركيا قوة في غزة، وكان قد رسمت حدود البحر مع اليونان ومصر لمنع تركيا من التنقيب عن الغاز، ووقعت اتفاقيات عسكرية مع اليونان وقبرص لتطويق تركيا، ثمّ عرّفت تركيا خطرًا قادمًا في مؤتمراتها للأمن القومي..
وتحتاج تركيا من اتفاقية مكة إلى أمور منها الردع النووي، ومنها حاجتها لسوق تبيع فيه منتجاتها، وهي محتاجة لتمويل برامجها التصنيعية، ومحتاجة لمظلة جوية قد تجدها عند السعودية، فتركيا على تطور صناعتها الدفاعية إلّا أنّها متأخرة في أهم سلاحين، وهما الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي، فأسراب الطائرات التركية غير محدّثة، وقد طُردت تركيا من مشروع المقاتلة الشبحية F-35 حين اشترت منظومة الـ S-400 من الروس بعد تلكؤ الأمريكان في تأمينها بمنظومات محدثة، لأن الأمريكان ملتزمون ببقاء التفوق الجوّي الإسرائيلي، ولذلك فتركيا محتاجة لتمويل مشروع المقاتلة من الجيل الخامس Kaan ومشاريع الصواريخ البالستية.
السودان وليبيا
تلتقي مصالح السعودية وتركيا في السودان على إسناد الدولة وحفظ مقدراتها ووحدة ترابها، ولا تريد السعودية للسودان أن ينجرّ للفوضى ولا تريد له أن يُفسح مجالًا لنشوء جماعات خارجة عن النظام ولا أن تتمدد أذرع الكيان الصهيوني فيه..
وتحارب تركيا نفوذ روسيا في السودان المتمثّل في حليف الروس حميدتي المتمرّد على الجيش والدولة، وهي تحارب كذلك نفود الروس في ليبيا المتمثّل في خليفة حفتر، كما كانت تنازع الروس في سورية وقره باغ.
البحر الأحمر: من اليمن للصومال
مضائق البحر الأحمر ساحة من الساحات التي تصطرع عليها المحاور الثلاث، وقد منعت السعودية أن يقوم في جبهتها الجنوبية ما يمكن أن يكون مسرحًا للعمل أو النفوذ الصهيوني، فابتدرت السعودية نوايا الصهينة بالحزم وحسمت الشأن فيما يخص جنوب اليمن، وما زالت تحارب النفوذ الإيراني في شماله.. وعارضت السعودية وتركيا انفصال "أرض الصومال" عن دولة الصومال، في حين اعترفت إسرائيل باستقلال أرض الصومال، وقد كانت موانئها وشواطئها منطلقًا للعمليات الاستخباراتية الصهيونية التي تتجسس على حركة التجارة في المضيق..
ولهذا فإن اليمن والصومال والقرن الإفريقي ستكون جميعًا في دائرة اهتمام هذا المحور الناشئ، وقد أعلنت السعودية قيام تحالف للدفاع عن تجارة البحر الأحمر، انضمت إليه تركيا وباكستان. والتحالف الذي يريد أن يحمي طرقه البحرية يحتاج إلى علاقات مع الدول التي تقع على تلك الطرق، ويحتاج إلى مكافحة القرصنة والتهريب والجماعات المسلحة، ويحتاج إلى وجود بحري واستخباري قادر على مراقبة المساحات التي لا تكفي فيها القواعد البرية.
إسرائيل
اطمأنت إسرائيل للحليف الأمريكي ووجدته -في أحلك ظروفها- صادق التصهيّن على اختلاف حكّامه، فقد جربت إدارة بايدن وإدارة ترمب وهما أشد الإدارات الأمريكية اختلافًا في كل شيء وأشدها اتفاقًا على إسناد إسرائيل في كل ما تريده وترجوه.. فلا تخشى إسرائيل كيدًا من جهة الأحلاف ولا تخشى على نفسها من كثرة ولا عتاد، ومع ذلك فإن أخوف ما تخافه إسرائيل من هذا الاتفاق هو أن تنتقل هذه المنطقة من حال التفرّق التي عاشت عليها ثمانين سنة إلى حال الاجتماع؛ فإنّ عقيدتها في الأمن قائمة منذ نشأتها على أن يبقى جيرانها متفرّقين متنازعين، وأن تكون هي وحدها الجهة التي تُعقد معها الاتفاقات فرادى؛ فلمّا رأت ثلاثًا من كبريات دول المسلمين توقّع ميثاقًا واحدًا يجعل الهجوم على واحدةٍ هجومًا على الجميع، رأت في ذلك نقض الأصل الذي بنت عليه.
وقد كانت إسرائيل على لسان وزرائها ورئيس وزرائها واضحةً في تصريحها بأنّها لن تقبل بمحور شيعي ولا محور سني وأنّها لا تريد فتحستان ولا حماسستان ولذا فإنّ أول ما تصنعه إسرائيل بعد هذا الاتفاق هو أن تجتهد في الوقيعة بين أطرافه أو تفريغ الاتفاق من مضمونه، وهذا أوّل ما سيلقى هذا الاتفاق من الحرب..
إيران
وأمّا إيران فموقفها من هذا الاتفاق أعقد من موقف تل أبيب، لأنّها خرجت من حربها الأخيرة منهكةً قد فقدت مرشدها وكثيرًا من قدرتها وقدرة حلفائها، وهي تنظر إلى حلفٍ يقوم على حدودها من ثلاث جهات.. ولعل الجنون الذي اصطنعته إيران حين قصفت دول الخليج وحين حركت أذرعها من شمال ومن جنوب لمحاصرة قلب الجزيرة_ هو ما عجّل بهذا الاتفاق، وعلى إيران أن تُحسن قراءة رسالة الاتفاق في لحظتها الحرجة وهو أنّ هذا الحلف يقوم على الدفاع لا على الهجوم، وأنّ أصحابه أحرص الناس على ألّا تشتعل حربٌ ثانية في هذا الإقليم لأنّ مشاريعهم كلها موقوفة على السكينة والاطمئنان. فإذا فهمت طهران أنّ اجتماع جيرانها ليس مقدّمةً لغزوها وإنّما هو جوابٌ على ما فعلته أذرعها في العراق واليمن، وأنّ الطريق إلى تخفيف الحصار عنها يمرّ بأن ترفع يدها عن جيرانها لا بأن تزيد الضغط عليهم، أمكن أن يكون الاتفاق الثلاثي بابًا إلى ترتيبٍ إقليميٍّ تدخل فيه على نحو يحفظ لها وجودها ومقدّراتها.
مصر
قال وزير الخارجية التركي: "مصر قد تنضم إلى اتفاقية الدفاع المشترك بمجرد تسوية بعض المسائل الفنية"
وكانت المحادثات مع مصر جارية قبل الاتفاق ولكنها لم تُثمر حتّى الآن، والذي أراه أنّ تخلّف القاهرة عن الدخول في الاتفاق مرهون بحسابات لم تحسمها مصر منذ ثورات الربيع، ومرهون بحسابات تلزم بها النخب المصرية نفسها بحكم موقعها من إسرائيل واليونان ودورها في غزة، ثم إنّ بينها وبين أنقرة تاريخًا لم يبرد كلّه، وبينها وبين أطراف الخليج المختلفة التزام في الاقتصاد والاستثمار، فتخشى من أجل ذلك أن تميل إلى طرف دون طرف. ولعلّها تنتظر أن تنضج المسألة حتى تدخل من غير أن تدفع في دخولها ثمنًا من علاقاتها القائمة. وفي دخول مصر إن تمّ ما يوطّد دعائم الاتفاق إذ يُضيف إليه أكبر جيش عربيّ، ويُضيف موقعًا على القناة وعلى البحر الأحمر، ويمهّد إلى حسم قضية السودان وليبيا.
آفاق
إن آفاق اتفاق مكة ونتائجه المرجوّة مرهونة بالتزام أعضائه، وبسريان الثقة بينهم على نحو مرضي ولكن انتظار الثقة ليس من الحزم.. والتحالفات العسكرية لا تبنى على العواطف والآمال، ولا يحتمل الإقليم عمل الوقت في التطمين والتوثيق فالأحداث متسارعة والحرب متوسعة، والوضع لا يحتمل تسوية خلافات التاريخ بالحساب الدقيق والجلسات المطوّلة.. فالرشد إذًا يقتضي تجاوز الخلاف والرجوع إلى ما قبله من الوفاق، والنهوض إلى ما بعده من الغاية البعيدة والمصير المشترك.. والتحالفات لا تتوثّق بالتطمينات والخطابات ولا بالاجتماعات المتكررة، وإنما هي موكولة بتشبيك المصالح، والمصالح كفيلة بالتقريب، فالربط في الموصلات والكهرباء ومشاريع الطاقة والمياه والتسليح يلزم الدول بشيء فوق التزام العهود والمواثيق..
إن اتفاق مكة في قوّته أن يكون نواة تحالف وثيق يجاوز ترتيب الإقليم إلى اكتفائه واستقلاله وموازنة الأحلاف من حوله واستعادة الريادة للعرب والمسلمين.
تعليقات
إرسال تعليق