التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان الأكمل النبي الأعظم


اضطرتني مسألة من مسائل الحياة التي لا تنقضي أن أراجع سيرة النبي المصطفى ﷺ، فعدتُ لها أقرأها، وعلى تكرار القراءة كانت النتيجة واحدة في كل قراءة، وهي أنّي أُفجأ بها كأني أقرؤها للمرة الثالثة أو الرابعة، أقول الثالثة والرابعة لأن المفاجأة فيهما مقبولة متوقعة لا عجب منها، أمّا القراءة الأولى فكلا قراءة!، لأن القارئ لا يكتال من كنوزها إلّا ما يسعه الورود الأول، وذلك كيل يسير! ولا تزال تستجد للناظر فيها المعاني والعبرات.. 
هذه السيرة تُسأل في كل بابٍ فتُجيب، ويأتيها الوارد بعد الوارد على اختلاف حاجاتهم، فلا يصدر أحدهم إلا وقد وجد طلبته ولا يُصدَرُ عنها على كثر الناهلين والعالين إلّا وهي صافية غير آسنة ولا آجنة.
وقد أطلتُ النظر في سرّ تجددها على التكرار، فرأيت أنّ سرّها راجعٌ إلى أنّ هذه السيرة لم تكن سيرة رجلٍ في جانبٍ واحدٍ من جوانب الحياة، حتى تنفع من كان في مثل ذلك الجانب وتقف عمّن سواه. فإنّ العظماء من الناس يُذكرون بالواحدة من المناصب والخلال يُحسنونها، فإذا خرجتَ بالواحد منهم عن ميدانه الذي عُرف به لم تجد عنده ما تأخذ، فلا يُبتغى من القائد في ميدان المعارك حكم السياسة ولا يُطلب من السياسي الحاذق تدبير الحروب وقل أن يُطلب من أحدهما أخلاق الزهد وتعاليم البر. وكانت حياته صلى الله عليه وسلم جامعةً لهذه الميادين كلها، فهو في المسجد خير إمام، وفي الميدان خير قائد، وفي البيت خير زوجٌ وأب، وفي النوازل خير حَكَم، وفي الديانة خير صاحب دعوة ومُثُل، وهو في كل ذلك لا ينزل عن حد الكمال.. 
ولستُ أعرف عظيمًا من عظماء التاريخ اجتمعت له هذه الميادين المتنافرة على تنافرها إلا اجتمع مع عظمته تفاوتٌ في القيمة بين ميدانٍ وميدان، حتى ليُخيَّل إلى الناظر في سِيَر العظماء أن العظمة قسمةٌ مفصّلة محدودة، إذا اتسعت في جهةٍ ضاقت في أخرى. أما هذه السيرة فلم تُرِنا رجلًا عظيمًا في ميدانٍ وهو متوسطٌ في سواه، بل أرتنا العظمة نفسها وهي تتكيف مع كل ميدان.. اللهم إنها النبوّة وإنّا نشهد أنّ محمدًا رسول الله.. 
إنها سيرة الهدى والعزاء، فليس يجد المسترشد سيرةً أهدى منها وليس يجد المتعزّي سيرة أجمل سلوانا منها.. 
يسترشد بها العالم والقائد والزوج ويتعزّى بها اليتيم والثاكل والطريد، فهي سيرة فيها بعد سعة الميادين أنّها لم تُصوّر لنا رجلاً في مقامٍ واحدٍ من مقامات النفس، وإنما صوّرته في المقامات كلها. رأيناه يتيمًا وعائلًا ومغتربًا ونازحًا ومطارَدًا في الغار، وهزيمًا ومنصورًا على أعدائه، وفرحًا بمولودٍ، وثاكلًا لولد، وجائعًا يشدّ الحجر على بطنه، ومبسوطًا له من الأرض ما بُسط. رأيناه كيف يتصرّف في فتنة الضعف وفتنة القوّة، ورأيناه وما من مصيبة إلّا حلّت به وما من مجد إلّا حيز إليه..
فهي حياةٌ كاملة لا يأتيها أي إنسانٍ في أيّ حالٍ نزلت به إلا وجد في هذه الحياة نظير حاله الذي يحياه وقد مرّ به أكملُ الخلق فأراه كيف يُحمل ذلك الحال على أحسن وجوهه وأكملها وأهداها وأرشدها وأبرّها وأتقاها. 
والقارئ إنما يطلب في السِّيَر نفسه هو من طرفٍ خفيّ، يلتمس من سبقه إلى ما هو فيه ليأتمّ به، فإذا كانت السيرة قد وسعت أحوال الناس على اختلافها، لم يُعوزها أن تسع حال كل فرد على حدة.. ومن هنا كان تجددها، لأن القارئ يتغير من عامٍ إلى عام، ويتغير معه الوجه الذي يلتمسه من السيرة، فيجده فيها كأنه أُحدث له إحداثًا.
ولو وقفتُ عند هذا الحد من عظمته لكان القول ناقصًا، لأن اجتماع الميادين المتفرقة في رجلٍ واحد –على ندرته– قد يُتصوَّر في رجلٍ اتسعت مواهبه فأحسن هذا وهذا، ولكن العسير حقًا في ميزان التاريخ، أن تجتمع في نفسٍ واحدة خلالٌ يُبطل بعضها بعضًا في العادة الجارية بين الناس. فالتغلّب بعد الظلم قد تُنسي صاحبها الرحمة، ولذلك نرى الفاتحين قساة منتقمين، والسلطان يُنسي صاحبه التواضع، ولذلك نرى مع الملك الفخفخة والمراسم.. وكانت نفسه صلى الله عليه وسلم وحدها التي جمعت بين هذه المتقابلات على تنافرها، فكان أقوى الناس حين ملك زمام الأمر، وأشدّهم رحمةً في الساعة نفسها التي ملك فيها ذلك الزمام، حتى دخل مكة فاتحًا ظافرًا بمن آذوه وطردوه وقاتلوه عشرين عامًا، فما كانت كلمته لهم إلا كلمة الرحمة وما كان دينه إلّا دين المرحمة، وهذا عندنا هو الدليل الأقرب على أن هذه الشخصية لم تُصنع من تجارب الحياة العادية كما تُصنع شخصيات العظماء، لأن التجربة العادية تُكسب صاحبها خُلقًا واحدًا وتنحته على مثاله، ولا تُكسبه هذه الأضداد مجتمعةً إلا أن يكون مصدرها فوق التجربة، وهذا هو الفارق الذي يُميّز العبقرية النبوية عن كل عبقرية أخرى في التاريخ.
والفرق بينه ﷺ وبين كل عظيم جاء بعده هوّ أنّ نبيّنا ﷺ سار على غير مثال يُحتذى وغير دليل يُقتفى إلّا نور الحق الباهر، ولذا كان ﷺ قد بلغ النهاية في الدعوة والنهاية في التنزيل على الوقائع والأحداث، وما من عظيم إلّا وفي سيرته ما يؤخذ عليه ويُغض عنه من أجل عظمته، وما من عظيم إلّا وقد تذرّع إلى العظمة بشيء من الهنات والزلات، حتّى العظماء الذين اقتفوا سيرته ﷺ.. وما من عظيم إلّا استعان في إجلال سيرته بما أقام عليها من الحُجب وبما باعد بينه وبين الناس وبما استتر بمظاهر الفراهة والأبهة أو بما طوى التاريخ من عيوبه ومناقصه، إلّا النبي الأعظم فليس في سيرته إلّا النور.. 
فما استعان بجلال يُطلب ولا باعد بينه وبين الناس، وإنما كان يخصف نعله ويُشق عليه في إصلاح الناس وحملهم على الخير.. ولم يكن يكره أن يطّلع الناس على خائنة منه لأنه لم تكن له خائنة، وكان الناس على خلاف عادتهم مع الأعيان والمملكين والعظماء يروون كل صغيرة وكبيرة من شأنه ولا يتأثمون في إشهار ما يحتشمون من إظهار مثله من الناس، كان يتسابقون على الحجامة والنخامة وكانت عائشة رضي الله عنها تروي كيف يكون عند زوجاته، وكان ابن عمر رضي الله عنه يروي ما اطّلع عليه من هيئته ﷺ وهو يستتر في قضاء حاجته، وما كان هذا يزيده عند الناس إلّا تشريفًا وتعظيمًا لأنّ كل حالة من حالته دين ورجولة وكمال.. 
ثم ختمتُ السيرة وكنتُ ختمتها مرارًا، والعجيب المتكرر -ولا أدري كيف يجتمع التكرار والعجب- هو أنّه كلما اتجهت أحداث السيرة للختام بوفاة رسول الهداية ﷺ_ تجهّمت آفاق النفس واغبرّت، وانتحت شمسٌ فيها إلى الغروب واعترض بها توقيتٌ كالشفق..  فإذا المصيبة به بعد أكثر من ألف عام كمصيبة من أصيب به قبل ساعة، وإذا الحسرة على فوات لقائه عزاءٌ لكل فوات، ولكنّها حسرة ليس فيها عزاء. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...