قال تعالى في سورة القمر:
﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
كررها عز وجل أربع مرات أخرجها جميعًا مخرج الامتنان..
فالأصل إذن أنّ القران صعب، بل لعله مما يستحيل على البشر ذِكره وفهمه، لأن القرآن كلام الله، ولكلام الله من العظمة والشدّة ما ليس في وسع البشر احتمال سماعه وتلاوته وحفظه، فكيف يعي الناقص كلام الكامل وكيف يستوعب المخلوق كلام الخالق وكيف يُدرك المحدود كلام من لا حد له!
لا بل كيف يحتمل المؤقت كلام الأول الآخر.. قال تعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وذلك بعد تيسيره، أيّ لو كلفنا الجبل باحتماله كما كُلّف البشر لخشع وتصدّع، وأمّا قبل التيسير فنزوله على الجبل بحقيقته الأولى شيءٌ من التجلّي الذي من شأنه أن ينسف الجبال الرواسي، وتجلّي الصفات كتجلّي الذات، قال تعالى:
﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنُ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾
ولم يكن تكليم موسى إلّا بعد التيسير، وإلّا لما استطاع موسى أن ينهض لاستماع كلام ربّه.. وكان القرآن يتنزّل على نبينا ﷺ وحيًا بواسطة، ومع ذلك فقد كان النبي ﷺ يعاني شدةً وثقلًا، وكان يتفصّد له في اليوم الشاتي، وكانت ناقته ﷺ تبرك له، ويكاد فخذ جليسه ﷺ أن يُرضّ..
فأوّل المنّة إذن أن يتنزّل هذا الكلام إلى مدارك البشر ثم إلى لسانٍ عربيّ مبين..
وفيما يروى عن ابن عباس: «لولا أن اللّٰه تعالى يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام اللّٰه تعالى» ويروى مثله عن مقاتل بن سليمان..
والإنسان عاجز تمام العجز مبلس تمام الإبلاس عن أن يصعد إلى كلام الله حسًا ومعنى، فتفضّل المنعم تبارك وتعالى وامتن وأكرم، وتولّى برحمته وجوده وإحسانه أن ينزّل القرآن في لفظٍ تُطيقه الآذان ومعنى تحتمله الأنفس والأبدان؛ ولولا ذلك لبقي الأمر على أصله، وأصله أن ينقطع الخلق دون كلام خالقهم انقطاعًا لا حيلة لهم فيه، فتتخبّط من أجل ذلك البشريّة في العماهة العمياء والضلالة الجهلاء وينتفي التدافع الذي يستقر به العالم السُّفلي ويستمر..
فكل كون محتاج لكلمة الله في مبدأه، محتاج لـ "كُن" كي يكون، واحتياجه لكلمة الله في الاستمرار مثل احتياجه لكلمته في التكوين، والاستمرار كوني وشرعي، فإذا أمسك الله عنّا ما يكون به الاستمرار الكوني لكنّا نُخطف للعدم وهذا مقتضى قيوميّته سبحانه الحي القيّوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وإذا أمسك الله ما يكون به الاستمرار من التشريع، لكان الناس يفقدون الخطاب الذي يعلو على أهوائهم فلا يبقَ لهم مرجع يُردّ إليه الخلاف ولكان يشق ذلك على الدنيا، ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾
فيصير كلّ امرئ حكمًا في هواه؛ وإذا صار كلّ امري حكمًا في هواه لم يبقَ من التدافع الذي يقوم به صلاح الأرض إلا صورته، لأنّ تدافع الناس حينئذٍ يكون تدافع قوّةٍ بقوّة، لا تدافع حقِّ بباطل، ليكون هذا العالم السفلي مستحق لمقت الله..
وإذا قد بلغ بنا العجب منتهاه في إعجاز هذا القرآن فقد بقي لنا عجب لم نفرغ له بعد وهو أنّه على إعجازه وبإعجازه يسير الذكر..
ولكن بعد أن قرر الله التيسير قال: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
أي هل من متذكّر متعظ، وهو استفهام تحضيضي لا يخلو من الإشارة إلى استتمام الحجة والإعذار اللذان تحق من بعدهما العقوبة..
وهذا الاستفهام الذي يعقب الامتنان مكرّرٌ في أربعة سياقاتٍ يجمعها شيء واحد: هو أنّ كلّ واحدٍ منها خاتمة قصّة من قصص الأمم التي أهلكها الله بسبب تكذيبها. فقوم نوحٍ أغرقهم الطوفان، ثم قيل: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾، وعاد أُرسل عليها ريحًا صرصرًا، ثم قيل مثله؛ وثمود أخذتها الصيحة، ثم قيل مثله؛ وقوم لوط جُعل عاليها سافلها، ثم قيل مثله. وإذا كان الامتنان باليسر إنّما يجيء في أعقاب الهلاك على هذا النسق، فليس المقصود منه أن يستريح السامع إلى النعمة تمام الاستراحة، وإنّما المقصود مع المن أن تُقطع عليه معذرته..
والحجّة على من عُرض عليه الأمر ميسّرًا أوكد منها على من عُرض عليه معسّرًا؛ فاليسر ههنا رحمةٌ وحجة، فهو رحمة تبعث على الذكر وحُجّةٌ تُغلق العذر على من تركه.
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يدلّ على أنّ الأمر من شأن الفطرة، والذي هو مطبوع في الفطرة لا يُطلب بغير الرجوع إليها وتذكّرها، وذلك من التيسير كذلك، فليس الأمر مما يُطلب من غير النفس، فإنّه مقصور عليها يطلبه الإنسان في نفسه ولا يحتاج أن يطلبه من غيره.
تعليقات
إرسال تعليق