التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير المعجز

 


في ليلة قمراء غائمة، طمحتُ ببصري إلى البدر واستعظمت نفسي المملحوظة الأولى في المنظر: دائرة بيضاء مضيئة منفردة في كبد السماء لا تحجبها أستار الغيوم ولا تحجبها من قبلُ أستار الظلام!
ثم تركتُ نفسي تقفو الأفكار فأخذ بعضها بحُجُز بعض بأدنى المناسبة وأيسر الاشتباه، فانتقل الذهن إلى سورة «القمر» وآيتها المتكررة فتداعت المعاني..
من كلام اللّٰه تفكّرت في صفة الكلام الإلهية! ماذا يعني أن يتكلّم الإله فأفهمه!


قال تعالى في سورة القمر: 

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾

 

كررها عز وجل أربع مرات أخرجها جميعًا مخرج الامتنان..

فالأصل إذن أنّ القران صعب، بل لعله مما يستحيل على البشر ذِكره وفهمه، لأن القرآن كلام الله، ولكلام الله من العظمة والشدّة ما ليس في وسع البشر احتمال سماعه وتلاوته وحفظه، فكيف يعي الناقص كلام الكامل وكيف يستوعب المخلوق كلام الخالق وكيف يُدرك المحدود كلام من لا حد له!

لا بل كيف يحتمل المؤقت كلام الأول الآخر.. قال تعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وذلك بعد تيسيره، أيّ لو كلفنا الجبل باحتماله كما كُلّف البشر لخشع وتصدّع، وأمّا قبل التيسير فنزوله على الجبل بحقيقته الأولى شيءٌ من التجلّي الذي من شأنه أن ينسف الجبال الرواسي، وتجلّي الصفات كتجلّي الذات، قال تعالى: 

﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنُ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾

ولم يكن تكليم موسى إلّا بعد التيسير، وإلّا لما استطاع موسى أن ينهض لاستماع كلام ربّه.. وكان القرآن يتنزّل على نبينا ﷺ وحيًا بواسطة، ومع ذلك فقد كان النبي ﷺ يعاني شدةً وثقلًا، وكان يتفصّد له في اليوم الشاتي، وكانت ناقته ﷺ تبرك له، ويكاد فخذ جليسه ﷺ أن يُرضّ..

 

فأوّل المنّة إذن أن يتنزّل هذا الكلام إلى مدارك البشر ثم إلى لسانٍ عربيّ مبين.. 

وفيما يروى عن ابن عباس: «لولا أن اللّٰه تعالى يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام اللّٰه تعالى» ويروى مثله عن مقاتل بن سليمان..

والإنسان عاجز تمام العجز مبلس تمام الإبلاس عن أن يصعد إلى كلام الله حسًا ومعنى، فتفضّل المنعم تبارك وتعالى وامتن وأكرم، وتولّى برحمته وجوده وإحسانه أن ينزّل القرآن في لفظٍ تُطيقه الآذان ومعنى تحتمله الأنفس والأبدان؛ ولولا ذلك لبقي الأمر على أصله، وأصله أن ينقطع الخلق دون كلام خالقهم انقطاعًا لا حيلة لهم فيه، فتتخبّط من أجل ذلك البشريّة في العماهة العمياء والضلالة الجهلاء وينتفي التدافع الذي يستقر به العالم السُّفلي ويستمر.. 

فكل كون محتاج لكلمة الله في مبدأه، محتاج لـ "كُن" كي يكون، واحتياجه لكلمة الله في الاستمرار مثل احتياجه لكلمته في التكوين، والاستمرار كوني وشرعي، فإذا أمسك الله عنّا ما يكون به الاستمرار الكوني لكنّا نُخطف للعدم وهذا مقتضى قيوميّته سبحانه الحي القيّوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وإذا أمسك الله ما يكون به الاستمرار من التشريع، لكان الناس يفقدون الخطاب الذي يعلو على أهوائهم فلا يبقَ لهم مرجع يُردّ إليه الخلاف ولكان يشق ذلك على الدنيا، ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾

فيصير كلّ امرئ حكمًا في هواه؛ وإذا صار كلّ امري حكمًا في هواه لم يبقَ من التدافع الذي يقوم به صلاح الأرض إلا صورته، لأنّ تدافع الناس حينئذٍ يكون تدافع قوّةٍ بقوّة، لا تدافع حقِّ بباطل، ليكون هذا العالم السفلي مستحق لمقت الله.. 

وإذا قد بلغ بنا العجب منتهاه في إعجاز هذا القرآن فقد بقي لنا عجب لم نفرغ له بعد وهو أنّه على إعجازه وبإعجازه يسير الذكر.. 

ولكن بعد أن قرر الله التيسير قال: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ 

أي هل من متذكّر متعظ، وهو استفهام تحضيضي لا يخلو من الإشارة إلى استتمام الحجة والإعذار اللذان تحق من بعدهما العقوبة.. 

وهذا الاستفهام الذي يعقب الامتنان مكرّرٌ في أربعة سياقاتٍ يجمعها شيء واحد: هو أنّ كلّ واحدٍ منها خاتمة قصّة من قصص الأمم التي أهلكها الله بسبب تكذيبها. فقوم نوحٍ أغرقهم الطوفان، ثم قيل: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾، وعاد أُرسل عليها ريحًا صرصرًا، ثم قيل مثله؛ وثمود أخذتها الصيحة، ثم قيل مثله؛ وقوم لوط جُعل عاليها سافلها، ثم قيل مثله. وإذا كان الامتنان باليسر إنّما يجيء في أعقاب الهلاك على هذا النسق، فليس المقصود منه أن يستريح السامع إلى النعمة تمام الاستراحة، وإنّما المقصود مع المن أن تُقطع عليه معذرته.. 

والحجّة على من عُرض عليه الأمر ميسّرًا أوكد منها على من عُرض عليه معسّرًا؛ فاليسر ههنا رحمةٌ وحجة، فهو رحمة تبعث على الذكر وحُجّةٌ تُغلق العذر على من تركه.

وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يدلّ على أنّ الأمر من شأن الفطرة، والذي هو مطبوع في الفطرة لا يُطلب بغير الرجوع إليها وتذكّرها، وذلك من التيسير كذلك، فليس الأمر مما يُطلب من غير النفس، فإنّه مقصور عليها يطلبه الإنسان في نفسه ولا يحتاج أن يطلبه من غيره.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نمط مخيف

  أكتبُ اليوم عن الشيخ، شيخ العربية محمود شاكر، ولكنّي أكتب عنه آخذًا عليه شيئًا في تطبيق منهجه، وهو شيءٌ لحظته حين قرأتُ كتابه "نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف" ولكنّي طويته ودفعته زمانًا، حتّى سألني عنه بعض السائلين فكأنما نقش شيئًا ما زال يحوك في صدري فبعثني على الكتابة وأنا غير طالب لها ولا ناشط إليها، فقد طال العهد بالكتاب، ونحنُ نعالج في هذه الأيام ظروف الحرب وأخبارها، ونطلبُ أن نفرغ لمزال روايتها وتوثيق لحظتها، فإذًا فقد قذف بي السائل فيما أتحاشى كما قذف يحيى حقي بصاحبه محمود شاكر في الأنماط الصعبة والأنماط المخيفة..  ولابدّ لي قبل أن أشرح مأخذي أن أقدّم للسبب الذي حملني عليه.. فإنّي في هذا المأخذ لا أخالف الشيخ في أصل منهجه ولا أخالفه فيِ غاية هذا المنهج، ولكنّي أخالفه في بعض ما عالج به بعض المعالم المنثورة على قارعة المنهج، وكان حقّها عندي ألّا تناقش لو كانت من غير الشيخ، فالشيخ معمارٌ راسخ ممتد من اليقين والتحقيق، وعلى قدر هذا الرسوخ تكون الحيرة في شأنه.. فليس الشيخ بناقدٍ من نقّاد المقالة العارضة ولا هو بباحثٍ من باحثي الجامعات الذين يجمعون الأوراق جمعًا ثم يردّونها إلى الأضاب...

قرية المواعيد

كانت الأوراق العالقة بين أغصان الزيتون تُشبه أن تكون بقايا من رواية طويلة أو لعلّها تشبه أن تكون فصولًا من كتاب ضاع عنوانه وضاع بعضه، أو قصةً من جملة قصصٍ كانت مجموعةً في غلاف، أو لعلّها طرفًا من مذكّرات تفرقت هنا وهناك..  ولم تكن تلك الأوراق كثيرة، غير أن القليل منها كان يكفي ليُشعر قارئها أنه عثر بحياة كاملة ممزقة، حياة لم تستطع أن تتم في صاحبها، فحاولت أن تتم في العبارة.. وفي كل ورقة منها أثر يدٍ متعجّلة، أو قلبٍ يريد أن يقول شيئًا قبل أن… قبل ماذا؟ لا أدري ولعلّ كاتبها لا يدري كذلك..  كُتب في بعض هذه الأوراق:  {عين الحكاية تنفتح على السهل انفتاح الفجر على المروج، فتمر بحصى الرمل المتناثر على أديم الأرض، وتمر بجدولٍ هزيل ضامر يشبه وخط الشيب أول ظهوره في عارض الشاب الفتي، ثم ترتفع إلى حقول القمح وهي تنحني للريح مع كل عصفٍ من عصفها وكل نسيم من نسيمها، تنحني للريح ولا تنكسر له. ثم تمتد النظرة وتنسحب حتى تبلغ الجبال الرمادية في أقصى المشهد، وهي قائمة في سكون الشهود الذين رأوا كل شيء وعجزوا عن أداء الشهادة ورواية التاريخ..  وبين السهل وتلك الجبال كانت القرية التي سماها...

العزلة

    من سخافة عقل الرجل كثرةُ معارفه - الفُضيل   قد أُولع الناس بالتلاقي ***  والمرء صبّ إلى مُناه وإنما منهم صديقي ***  من لا يراني ولا أراه  - أبو سليمان الخطّابي كنتُ كلّما رأيت الناس يضيقون بالناس، ويزعمون لأنفسهم نجاةً في اعتزال وجوههم ومطالبهم، عاودني الظنّ القديم بأنّ الإنسان لايفر من الناس إلّا وهو يخالطهم على نحو من الأنحاء وأنه لا يعيش إلّا بضرب من الخلطة..  عرض بي مقطعٌ يزعم صاحبه فيه أنه قرر أن يتخذ بيتًا في ناحيةٍ قصيّة يطلب به العزلة عن الناس، ولكنّه كان يستشير مشاهديه في أثاثه ورياشه ويُطلعهم على مستجدات البناء أوّلًا بأول، ويشوّقهم لما سيجدُّ من أعمال التشييد والتزيين، وفي كل مرة يقول: هذا المكان الذي سأخلو فيه وقد وضعنا العمدان، وهذا باب الناحية التي سأخلو فيها وأنقطع فيها عن الناس، وهذا سيكون مُتكئي في خلوتي، وانتظروني في المقطع القادم حين أضيف هنا كذا وكذا.   إنّ الإنسان عجيب، يطلب العزلة، ولكنه لا يريدها إلّا وهو يُعلم الناس بها، ولا يقدر على اعتزال الناس إلّا بعد أن يصيح فيهم ويسمعهم أنّه يريد اعتزالهم. إنه يريدها عزلةً ملحو...